0

 

من مواطن مقدسي مُسلم عزيز أعزه الله بالاسلام

إلى مناويل ماكرون رئيس جمهورية فرنسا

 

السلام على من اتبع الهدى"                                            التاريخ 24/10/2020

 

أبلغك شديد استيائي وامتعاظي وغضبي من تصريحاتك وهجومك على الاسلام وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يحق لك ولأمثالك مهما بلغ عنان السماء في الوظيفة الادارية وبلوغ اعلى المراتب الدنيوية المتمثلة في حكم جمهورية فرنسا، بأن يتم علاج الخطأ بخطئية كبرى، خطابك بمناسبة تأبين المعلم الفرنسي الذي قتل بصورة بشعة، لا يمنحك حق الهجوم على أمة تعدادها 2 مليار مسلم تدين بالولاء والطاعة لله أولا ثم لنبيها محمد صلى الله عليه وسلم.

كنت اتمنى من خلال مراسم تأبين المعلم أن تترحم عليه وتدعو له، وأن تقف على حقيقة السبب التي ادت لمقتله، وأن تتخذ قرارا بمنع الاساءة للرموز الدينية، فعليّ واجب اخلاقي أن أذكرك وأذكر كل من يتجرأ على نبينا محمد وعلى ديننا الحنيف أن حريتكم تنتهي عندما تبدء حرية الآخرين.

رسالتي هذه لا تشكل مبررا أو موافقة مني على اسلوب الرد على الاساءة للنبي محمد بالقتل والترويع، فليس من حق احد أن يزهق روح انسان إلا ضمن القوانين والتشريعات المتبعة في كل دولة ضمانا للسِّلم وأمن المجتمعات.

إن قانون العقوبات الفرنسي المطبق في بلدك يمنع الاستهزاء والذم والقدح في مقام الناس، ويمنع كذلك النيل من الشعور القومي، فهل طاقمك الاستشاري قدم لك النصح والارشاد قبل إلقاء خطابك أم أنهم تركوك في غفلة من أمرك، فزلت قدمك قبل لسانك؟

إن الاستمرار بسياسة النيل من الشعور القومي والديني للمسلمين في بلدك، وسكوتك عن هذا الامر، ليس له إلا معنى واحد وهو موافقتك ومشاركتك بمعاداة السامية الاسلامية، التي تشكل ثلث سكان الارض، فضلا عن أنك تستمر في تحدي الله ورسوله.

دعني أبسط الأمر عليك في ادارة شؤون بلدك، وإن كنت اعلم أن هذا ليس من اختصاصي، لكن التعرف على خبرات الآخرين ستشكل اثراء لتجربتك في حكم فرنسا، لعلك ستستفيد من تجربة أهل القدس بصفتي مواطن مقدسي مسلم ترعرعت في حارة النصارى بالقدس الشريف، وتعلمت في مدرسة نصارنية  فرنسية اسمها مدرسة الفرير"مدرسة الاخوة"وتخرجت منها، دعني اشرح لك قليلا عن العادات والتقاليد التي تمارس في بلدي القدس، لعلك سترجع لرشدك، فسأُسرد عليك بعض النماذج الواقعية التي تتعلق بدعم المسيحين للمسلمين والمسلمين للمسيحين في مجالات مختلفة من نواحي الحياة.

أبدأ من عبود المسيحي المقدسي الذي صلى مع المسلمين صلاته ضمن الطقوس المسيحية في احد ايام الجمعة من شهر تموز من العام 2017، عندما منعت سلطات الاحتلال الاسرائيلية المقدسيين المسلمين من دخول المسجد الاقصى نتيجة محاولتها فرض أمر يتعلق بالبوابات الالكترونية، حيث بتصدي المسلمين والمسيحين لهذا الامر بصدورهم العارية افشل مخطط الاحتلال، بل مؤازرة الاخوة من مسيحي القدس وحملهم لسجاديد الصلاة على اكتافهم والوقوف في الساحات والزقاق القريبة من محيط المسجد الاقصى وحمل قارورات المياه وعلب الطعام لمؤازرة اخوانهم المسلمين في اعتصامهم، ضرب اعظم مثل في مسيرة التعايش والتضامن المسيحي الاسلامي ضمن مظلة العهدة العمرية، بل تجلت ابهى صور التعايش العالمي كسبيل في قبول الآخر دون تعصب أو حمية جاهلية.

 لو نظرت لصور التعايش المسيحي الاسلامي في القدس، لوجدت المشاركة العفوية وفق قواعد حُسن الجوار في الافراح والاطراح كانت وما زالت سيدة الموقف، بحيث يؤازر بعضنا البعض في تلك المناسبات، صور التعايش اليومي بيننا لا تعد ولا تحصى، تخيل سماع الآذان كل يوم خمسة مرات وسماع الاجراس ورنينها عشرات المرات، فأصبحت تلك العادات جزء من تراث حياة لا يستقيم العيش في القدس القديمة دون سماعها، فلا ضجر ولا تعليق، بل كل يسبح الله ويمجده وفق تعاليم دينه.

اذكرك ايها الريس، ولكن يبدو أنك نسيت أو لم تلاحظ اثناء زيارتك للقدس، أن المآذن تعانق الكنائس، شاهدناك وانت مستاء وممتعظ من تصرف جنود سلطات الاحتلال الاسرائيلي عندما حولوا تعطيل دخولك كنيسة سانت آن، فلم تستطع تحمل الاهانة لمدة دقيقة واحدة، ونسيت معاناتنا نحن أهل القدس على مر عقود طويلة، ونحن نسير على ذات خطى وآلام السيد المسيح التي عانها من المتجبرين.

كنا نتمنى أن تكون ملاحظتك اثناء زيارة القدس، أن المؤتمن على اقدم واقدس كنيسة في العالم منذ الفتح العمري وصولا للتحرير الصلاحي حتى هذا اليوم عائلتان مسلمتان، احداهما تحمل المفتاح والثانية تفتح الابواب للمصلين والزوار على مدار السنة.

وددت لو قمت بزيارة بيت والدي في القدس القديمة واحتسيت فنجان الشاي لتلقي نظرة على الحيين المسيحي والاسلامي من شرفة البيت، ليتمتع ناظرك بدير مار مارون من جهة الشرق وكنيسة القيامة من جهة الشمال وقبة الصخرة وجبل الطور من جهة الشرق الشمالي والقلعة العثمانية من جهة الغرب، وددت لو زرت بيتنا لأطلعك على البيوت المجاورة لبيت والدي ومعظمها تعود للمسيحين، التي تم ترميمها من بنك جدة الاسلامي للتنمية مقره في المملكة العربية السعودية، فلم يميز القائمون على ادارة البنك  بشمول مشاريع الترميم لبيوت المسيحيين قبل بيوت المسلمين، دعما وتعزيزا في صمود ابناء البلد ة القديمة العرب من المسيحين والمسلمين على حد سواء، وددت لو زرت مشفى الفرنساوي في القدس وقرأت اليافطات التي تشير للدعم السخي في اعادة ترميم هذا الصرح الطبي، من الشعوب الاسلامية في السعودية وقطر وسلطنة عمان والاردن وغيرها من الدول العربية والاسلامية.

السيد الرئيس"

لا اريد الاطالة في هذه الرسالة لعلمي اليقيني والمسبق أن وقتكم ثمين، إلا أنني اردت أن اذكرك بأمرين لا ثالث لهما، أولا: أن تاريخ فرنسا منذ الحملات الصليبية التي كانت تهدف السيطرة على القدس الشريف بإسم الصليب، هي ذاتها حملات بغض وتشكيك اليوم، فالهدف لم يكن المقدسات بقدر الثروات والمقدرات، وخير دليل على ذلك استعمار بلدكم للجزائر على مر ما يزيد 130 سنة،  فقتلتم اكثر من مليون شهيد واحتفظتم بجماجم القتلى في متاحفكم لتكون شاهدة على مجازر قواتكم الحربية، والحديث يطول في مالي وشمال ووسط افريقيا، فلا ينبغي التحدث عن المُثل العليا والشرف والديمقراطية وحقوق الانسان، وبلدكم أول من خرق جميع معان الحرية،  ثانيا: إن تصرفات بعض المسلمين الخارجة عن التسامح وسامية الاسلام سببه أنتم وسياساتكم في بلاد العرب والمسلمين، فلو بحثت عن السبب لبطل العجب، فلا تحمل الاسلام مسؤولية ما يدور في بلدكم، في الوقت الذي يحاول بعض حكام العرب والمسلمين من عملائكم واذنابكم مع بعض مفتيهم وشيوخهم كيل الاتهام للاسلام، فالعيب ليس في الاسلام وساميته، وانما العيب بمن يمارسه بتعصب وتخلف، فلو كان العيب في الاسلام فكيف تفسر لنا ظاهرة انتشار الاسلام في القارة الأوروربية وفي بلدكم على وجه التحديد بصورة عجيبة ومتسارعة، رغم كل حملات التشويه والتخريب والصاق الارهاب به،  فلم يُنشر الاسلام اليوم في بلدكم وفي كل بلاد اوروبا بقوة السلاح، إنما ينتشر بالكلمة والموعظة وحُسن المعاملة، فنساء فرنسا يدخلن الاسلام رغبة في الطهارة والعفة التي تخليتم عنها، و شباب فرنسا يدخلون الاسلام رغبة في الراحة النفسية بعيدا عن الصخب والمخدرات والانحلال.

اخيرا ايها الرئيس الشاب"

ادعوك لقراءة القرآن وتفسيره، من باب التحقق بنفسك فيما إذا كان الاسلام معيبا أم أنه دين الله ودين حق، ولتقف على معنى الاية 285 من سورة البقرة آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فستجد أن المسلم الحق لا يكتمل ايمانه إلا بالايمان بعيسى المسيح ابن مريم البتول الطاهرة العفيفة الشريفة عليهما الصلاة والسلام، وموسى عليه الصلاة والسلام وجميع الرسل والانبياء وكتبهم، الامر الذي لم تجد أي رسام مسلم في العالم يتجرأ برسم رسما مسيئا للمسيح أو لموسى أو أي لأي نبي عليهم السلام.

واذكرك في الختام أن هناك سورة في القرآن الكريم مكونة من 98 آية اسمها سورة مريم، تتحدث عن حياتها وحياة المسيح، فهل هذا قرآن حق وحب لكم أم أنه قرآن بُغض وكراهية كما يتم تصوير الامر لك، مما يتعين عليك الاعتذار لأمة الاسلام التي تحترم وتؤمن بالمسيح كنبي ورسول وامه الصديقة أكثرمن حبكم لهما، وأن تطفئ الفتنة في بلدك بكلمة سواء، وهي الاعتذار وأن تمنع المس بالشعور القومي السامي للمسلمين، وألا تحمل المسؤولية لشعوب احبت رسولها في الوقت الذي لا تعرف تلك الشعوب وجهه ولا شكله،  في ظل صمت غالبية ما يسمى حكام العرب والمسلمين للرد عليك، الذين هرولوا في عهدك نفاقا وريائا للمشاركة في مسيرة الدعم والتأييد للمقتول الصحفي شارلي أيبدو الذي اشعل فتيل الفتنة الدينية في بلدكم.

 

القدس الشريف

فواز ابراهيم نزار عطية

 

 

 

إرسال تعليق Blogger

 
Top