0



aziz.alassa@yahoo.com
"الدكتور حسين فخريي الخالدي" (1894-1962)؛ طبيبٌ وجنديٌ عثمانيٌ، قائد فلسطيني، سياسيٌ أردنيّ.. عاش في القرنين التاسع عشر والعشرين، فخبر أحداث القرن العشرين؛ بصغيرها وكبيرها. وليس أدلّ على أهمية هذا الرجل؛ من أننا أمام شخص عاش الحربين العالميتين: الأولى والثانية، وما قبلهما وما بعدهما من سقوط مدوٍ للامبراطورية العثمانية. كما عاش نكبة الشعب الفلسطيني، وما قبلها من انتداب بريطاني حاول "تهويد" تاريخ فلسطين وجغرافيتها قبل أن يسلمها لقمة سائغة للحركة الصهيونية، وما بعدها من تباكٍ على وطن أضعناه في غفلة من الفرقة والتشرذم.
لقناعته بأن الحقائق التاريخية ليست ملكًا لصانعيها ولا لمن ينفرد بمعرفتها، بل أنها أمانة للأجيال المتعاقبة، قام "د. حسين الخالدي" بكتابة يومياته، التي تحولت إلى "مذكرات"، وهي الآن بين أيدينا عبارة عن "وثائق" تاريخية تنير لنا المظلم من الطريق، ونحن نبحث عن أسباب "هزائمنا" ومسبباتها، وتبلغنا عن بطولات أجدادنا وصمودهم في وجه أعتى قوىً على وجه الأرض.
صدرت مذكرات "د. حسين الخالدي" عن دار الشروق للنشر والتوزيع، بطبعتها الأولى في العام (2014)، وقد حررها د. رفيق الحسيني؛ حفيده من ابنته. وهي بحجم ثلاثة مجلدات تشكل، في مجموعها، (1300) صفحة من القطع المتوسط، توزعت على ثمانية دفاتر، ضمت (188) عنوانًا.
عند الاطلاع على تلك المذكرات، التي تتوقف عند العام 1949، تجد نفسك أمام نصوص مفعمة بالحيوية والحركة، لدرجة أنك تكاد تسمع أنين الشعب الفلسطيني، فردًا فردًا، في تلك الحقبة الزمنية الممتدة على مدى ثلاثين عامًا؛ وهي عمر الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي انتهى بإقامة دولة لكيان اغتصب الأرض والتاريخ والتراث وشرّد أصحاب الأرض الشرعيين، وشتتهم في بقاع الأرض.
لقد كان "د. حسين الخالدي" موضوعيًا في سرده للأحداث (سوى ما اعتقد أنه يثير فتنة "نائمة" بين أبناء الشعب الواحد)، ثم يعلق عليها ويربط، فيما بينها، دونما أي تأثير على جوهر المشهد. ولم يسعَ إلى فرض نفسه على الأحداث، ولم يقتحمها "عنوة"، إلا بالقدر الذي كان له دور فيها. لذلك؛ فإن هناك مساحات واسعة من تلك النصوص اتخذت الطابع البحثي البحت، التي ظهر فيها "د. حسين الخالدي" باحثًا محايدًا يجهد نفسه في تقصي الحقائق وتوثيق مراجعها وبياناتها وبيّناتها، متجنبًا الغوص في الأرقام والتواريخ التفصيلية. علمًا بأن غياب التواريخ والإحصائيات الدقيقة، ذات الصلة بالعديد من الأحداث كان له أثر سلبي على القارئ الذي يرغب في متابعة التسلسل الزمني للأحداث.
فقد اتبع أسلوب "الاستعراض الخاطف للحالة وللحوادث التي جرت في فلسطين في أواخر العهد العثماني وزمن الاحتلال البريطاني، إلى ما بعد اندلاع نار الحرب العالمية الثانية"، وصولًا إلى النكبة وما بعدها من تيه الشعب الفلسطيني وتشرده. أما مصادره في هذا كله فهي: معلوماته الشخصية وما امتلك من وثائق ومستندات. مؤكدًا على أنه لن يذيع سرًا يعتقد أن المصلحة تقضي بكتمانه، ولذلك اكتفى ببعض الحوادث والشواهد ذات المظهر البارز أو المغزى الواضح.
بالعودة إلى النص، وقبل أن نشرع بقراءة الدفتر الأول، هناك تقديم من عائلة "د. حسين الخالدي" في الذكرى الخمسين لوفاته (أي في العام 2012), وشهادة د. عاصم الخالدي ذلك الذي أنبأنا عن حياة صاحب المذكرات؛ الطبيب الذي لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب, وإنما قاسى مرارة الغربة والعسكرية والتشرد والنفي, واكتوى بنيران الانتداب والغطرسة الصهيونية إلى جانب شعبه الذي رفض الظلم والضيم وقاوم مقاومة الأبطال الصناديد. وعندما انقسم السياسيون الفلسطينيون بين مجلسي ومعارض كان المرحوم الخالدي هو الثالث؛ الذي يسعى إلى توحيد الصف وترك النزاعات التي تثيرها عصبيات الانتماء القبلي. ويشهد عاصم الخالدي بأنه سمع "د. حسين الخالدي" عندما قال، وهو يتألم لواقع القدس وفلسطين: "يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً. ويختم "عاصم الخالدي"، في شهادته، بأن المرحوم "د. حسين الخالدي" قد كتب مذكراته هذه "ليعرف ابناء فلسطين كيف طرد آباؤهم من أرضهم ليصبحوا مشردين في بقاع العالم بلا هوية".
ثم تمهد د. سلمى الجيوسي لهذه المذكرات، ليتبعها د. حازم نسيبة بتقديمه، مشيرًا إلى أن "د. حسين الخالدي" كان عالماً محيطاً واسع الثقافة والآفاق وأنه كان أحد اثنين من أعضاء الهيئة العربية العليا المتواجدين في القدس فترة ما قبل النكبة مباشرة. وينطلق د. نسيبة في الإجابة على سؤال: كيف ضاعت فلسطين؟ لينتهي به الأمر موجهاً بضرورة قراءة هذه المذكرات بتأنٍ, لعلنا نأخذ منه العبرة لمستقبل الأيام.
وهذا ما فعلتُه؛ عندما قمتُ بقراءة تلك المذكرات بتأنٍ، ودون كلل أو ملل فوجدت أن فيها الكثير الكثير مما لم نسمعه من قبل، ومما لم تجمعه الكتب والمصادر والمراجع، في آنٍ معًا، كما فعل "د. حسين الخالدي" في مذكراته هذه.
نظرًا لاتساع البيانات والبيّنات التي احتوتها تلك المذكرات، والتي غطت حقبة زمنية حساسة وهامّة من تاريخنا المعاصر، فإنني أكتفي بالإشارة إلى أهم تلك المحاور، من وجهة نظري المتواضعة، تاركًا لمن يقرأها أن يستقي ما يهمه، وما يراه أكثر أهمية من غيره. فقد أشار إلى حال فلسطين قبل الانتداب، وكيف استلم البريطانيون الشعب الفلسطيني منهكًا، جائعًا، مريضًا، فقيرًا، لا يمتلك أي وسيلة من وسائل الدفاع عن النفس القادرة على مجابهة القادمين لاغتصاب أرضه وتاريخه وهويته، إلا أنه قاوم واستبسل في الدفاع عن كينونته بكل السبل، كما فعل المجاهد "عبد القادر الحسيني"؛ حينما قاتل حتى الرمق الأخير دون أن يجامل أحدًا على حساب حقوق شعبه، وكما فعل القسّاميون في محاربة الإنجليز واليهود والعملاء والجواسيس والسماسرة. كما يشير "د. حسين الخالدي" إلى المراحل المختلفة من الصراع الذي احتدم على مدى الثلاثين عامًا، والذي كان يقوده من الجانب الفلسطيني قيادة كثيرًا ما اعتراها الانقسام والتشرذم والتفتت، مقابل قيادة الطرف الآخر التي تمتعت بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والجدية في إدارة الأحداث.

ولم يألُ "د. حسين الخالدي" جهدًا في شرح المؤتمرات واللجان الدولية والمحلية والعربية التي انعقدت من أجل القضية الفلسطينية، والتي انتهت في غالبيتها العظمى لتصب في صالح "اليهود"؛ لأنها كانت تدارُ من قبل بريطانيا التي تكون صاحبة الفكرة أصلًا، ثم تختار المؤتمرين وتوجههم لإصدار القرارات التي تجرد الفلسطينيين من حقوقهم الشرعية، وتمهد الطريق للمهاجرين الجدد من اليهود الذين يتم استقدامهم بين الحين والآخر، حتى بنوا المصانع التي تتراوح تخصصاتها بين الإبرة والطائرة المقاتلة، مرورًا بالرصاصة والقاذفات من مختلف الأنواع. حتى أن جامعة الدول العربية، من حيث التأسيس والبروتوكولات والميثاق، لم تكن سوى واحدة من الأنشطة البريطانية في هذا الاتجاه، التي انتهت بتشكيل جيش الإنقاذ وغيره من التسميات التي لم تفعل لفلسطين ما تفعله الجيوش في الدفاع عن الحمى الذي تتكلف بحمايته. ولم يُغفل الحديث عن علاقة القوى العظمى والصغرى، على مستوى العالم، بالقضية الفلسطينية.
لا شك في أن الحديث عن هذه المذكرات يطول ولا يمكن إيجازه ببساطة، وإنما أود الإشارة إلى أنها مصدر حيوي، يكاد لا ينضب، لمن يبحث عن حقيقة الرواية الفلسطينية، والواقع المرّ الذي تجرعته الأجيال الفلسطينية، من إذلال وإهانة وقتل وتشريد واقتلاع من أرض الآباء والأجداد، منذ العام 1917 حتى تاريخه وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. كما أنها توفر للرواة والمفكرين والشعراء أرضًا خصبة يبذرون فيها أفكارهم وإبداعاتهم التي توثق لرحلة العذاب والشتات الفلسطينيان. فلم يبخل على القارئ بطرح العديد من المفاهيم والتعريفات والتلميحات للمواضيع ذات الصلة، مثل اللاسامية والعلاقة التاريخية بين أتباع الديانات الثلاث، بخاصة "اليهود" الذين عاشوا بين جنبينا، كعرب وكمسلمين، عبر العصور المختلفة، والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين القائمة على الحميمية والاحترام المتبادل.
إنها مذكرات الدكتور "حسين فخري الخالدي" التي أشهر فيها قلمه في وجه عصره، فوثق لتاريخنا المعاصر، بلا مجاملات، كما أوعز لنا بضرورة التوقف عنها؛ لأنها تزوّر الحقائق وتضيّع الحقوق وتنقلنا من هزيمة مرّة إلى أخرى أكثر مرارة. ولن أغادر قبل أن أؤكد على حاجتنا لمن يوثق "بلا مجاملات".
فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 04/01/2015م
نُشِرَ في صحيفة القدس المقدسية، بتاريخ: 09/01/2015م، ص13

إرسال تعليق Blogger

 
Top