0
يونس جدوع العصا في كتابه "العبيدية: بلدة على كتف الصحراء":
أبناء العبيدية شاركوا في جميع الثورات.. والتعليم مكّنهم من مواكبة روح العصر
نُشِرَ في صحيفة القدس بتاريخ: 08/07/2017، ص: 15
                                                         عزيز العصا
يونس جدوع العصا؛ فلسطيني المولد والنشأة. النكبة صدمت طفولته، والنكسة كسرت شبابه. وفي العام 1969م، اعتقل، وهدمت بيته، وشردت أسرته، وطمرت وثائقه وذكرياته، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد (48 سنة). وفي العام 1980، تم إبعاده إلى الأردن. وهناك عمل في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية حتى عودته إلى الوطن في العام 1994، فانضم إلى وزارة الزراعة الفلسطينية حتى تقاعده بدرجة وكيل مساعد في العام 2006.
منذ ذلك الحين أخذ يبحث وينقب بين تفاصيل ركام الذاكرة إلى أن ضبط إيقاعاتها بين دفتي كتاب له بعنوان: "العبيدية: بلدة على كتف الصحراء".
يقع الكتاب، الصادر عن مركز وئام في العام 2017،  في (246) صفحة من القطع المتوسط، يتوزع عليها (21) فصلًا. وبقراءة تحليلية لهذا الكتاب وجدته يتوزع على المحاور الرئيسة التالية:
أولًا: موقع العبيدية ومناخها وأصول سكانها: إذ يشير إلى يصف موقع بلدة العبيدية ومناخها والمناخ والأصول والمنابت لسكانها. فهي تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة القدس، وإلى الشرق من بيت لحم، وتتعمم -مشقة من العمامة- تلالها بعدد كبير من التجمعات السكانية المتقاربة والمتداخلة في  بعض الأحيان، ذات الأبنية الحجرية البيضاء وفق نظام هندسي رائع. وبعد أن يستبعد أي انتساب للأصول اليونانية، يعيد الكاتب أصول العبيديين إلى العشائر العربية اليمنية، ومنهم عائلات قدمت من مصر، ومن القدس.
ثانيًا: التعليم والصحة والزراعة والخدمات المختلفة:
 حيث يشير إلى الخدمات المختلفة في بلدة العبيدية كالتعليم الذي بدأ متأخرًا جدًا، في أواخر حقبة الانتداب البريطاني، والتي لم تتعد مستوى الكتاتيب ذات الأساليب التربوي البدائية، إلى أن نهض أبناء القرية وبنوا مدرستهم قبيل النكبة، لتبدأ مسيرة التعليم الرسمي التي انتهت بأن المئات من بلدة العبيدية يحملون شهادات عليا، تصل لدرجة الأستاذية كأعلى درجة أكاديمية عالمية. وتطورت البلدة حتى واكبت روح العصر في المجالات الدينية، والصحية والزراعية، والخدمات المختلفة كالنقل والمواصلات والشئون الإدارية وتنظيم المساكن وتطويرها... الخ.
ثالثًا: الوضع الاجتماعي والثقافي في بلدة العبيدية:
فقد تطورت الحياة الاجتماعية في بلدة العبيدية، وتطورت المباني السكنية. كما تطورت الأسرة العبيدية، من المفهوم البطريركي؛ الذي يجتمع فيه الأب والأم والأبناء المتزوجون تحت سقف واحد أو في خيمة واحدة، حتى أصبح البيت المستقل هو الشرط الأساسي للزواج في أيامنا هذه. كما تمكن الكاتب من إجمال التراث الثقافي للعبيديين، والتي يشير فيها إلى أن هذا التراث، بتفاصيله المختلفة، اتسم بالخصائص العامة للتراث البدوي الفلسطيني، والذي أدخل عليه العبيديون بعض التحسينات بعد أن اتجهوا نحو الحياة القروية-الفلاحية ثم الحياة المدينية.
رابعًا: الملامح الطبيعية والحضارية لبلدة العبيدية:
أبرز الكتاب الملامح السياحية لبلدة العبيدية؛ ففيها دير مار سابا الذي يعود إلى نحو ألفي عام من الزمن، ودير ثيودوسيوس (دير ابن عبيد)؛ الذي هو أقدم جامعة في التاريخ، وخربة قمران، إضافة إلى الآثار الكنعانية والرومانية.
خامسًا: العبيدية وحركة التحرر الوطني:
أوضح الكاتب دور العبيديين في ثورات ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، في مواجهة الاحتلال البريطاني. كما تطرق إلى بطولات أبناء العبيدية في معركة حوسان التي ارتقى خلالها تسعة عبيديين شهداء، بعد أن خاضوا معارك البطولة والفداء التي يشهد لها كل من عاش تلك الحقبة في العام 1956م. ثم دورهم في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، حيث قدموا قوافل الأسرى والشهداء، عندما سارع شباب العبيدية إلى الانتماء لصفوف فصائل العمل الوطني والإسلامي، وبمستويات قيادية متقدمة.    
الخاتمة والتعليق
لم أرَ في هذا الكتاب سيرة ذاتية بحتة خاصة بالكاتب، كما أنه ليس بحثًا توثيقيًا خاصًا ببلدة العبيدية ومتفردًا بها؛ وإنما هو سرد لسيرة ومسيرة مجتمع تلك الجغرافيا، القادم من أنحاء مختلفة من المنطقة، انعكاسًا لمسيرة الشعب الفلسطيني بأكمله، عبر الحقب الزمنية المختلفة؛ لأن ما جرى في بلدة العبيدية هو صورة "طبق الأصل" عما جرى في مئات القرى والمدن والبلدات الفلسطينية الممتدة على طول الوطن وعرضه.     
تأتي أهمية هذا الكتاب في هذا الوقت الذي تعاني الهوية الوطنية، بل تكابد، الصراع مع أعتى قوة على وجه الأرض التي تسعى إلى محوها واستبدالها (بالقوة) بهوية أخرى نقيضة لها وترفض الاعتراف بها بشتى السبل. كما يأتي في الوقت الذي قلما تجد المؤرخين للقضية الفلسطينية يذكرون بطولات أبناء بلدة العبيدية وتضحياتهم الجسيمة، وقيم العبيديين العالية ومواقفهم الرجولية في حماية الثورات الوطنية التي هبّت على أرض فلسطين، في الحقب الزمنية المختلفة.
كما تأتي أهميته في استعراضه للعديد من القضايا والأحداث والحقائق غير المسبوقة، والتي تفتح قريحة الباحثين على الغوص في تفاصيلها، كالميزات والسمات الخاصة ببلدة العبيدية وما فيها من تنوع حيوي، والملامح الخاصة بالقضاء العشائري في العبيدية، وكذلك إعادة النظر في الدور الذي قام بها أبناء العبيدية وأبناء القرى والبلدات المجاورة لها، الذين لم ينالوا حقهم في السرد التاريخي للقضية الفلسطينية، بخاصة تلك الكتب التي تحمل ذكريات ومذكرات توثق لحياة الشعب الفلسطيني في الحقب الزمنية المختلفة.
في جميع الأحوال، أرى بأن هناك ضرورة لطبعة ثانية تصوّب الأخطاء، وتوضح الغامض من النصوص؛ لتجعل منه وثيقة في كل بيت من بيوت أبناء العبيدية، في الوطن والمهجر، كما أرى فيه إضافة نوعيّة إلى المكتبة الفلسطينية والعربية بشكل عام، وإلى مكتبات العبيديين، أصحاب الشأن المباشر بمحتواه العلمي، بشكل خاص.

فلسطين، بيت لحم، العبيديّة، 07/06/2017م

إرسال تعليق Blogger

 
Top