0

 

الوقـــف الخيـــري

للسيــدة فَــخــر المخــدرات[1]

 أمينـــة بنـــت بـــدر الخالـــدي

بيــن حُكـــم شـــرط الواقـــف والوفــاء بـــه


 

الحلقة الأولى

بقلم القاضي المقدسي

 فواز ابراهيم نزار عطية [2]

التاريخ 11/2/2021

 


جاء في مقدمة حجة وقف السيد أمينة الخالدي النص الآتي: " الحمد لله الذي خلق الانسان في احسن تقويم، وهدى من شاء من عباده إلى الصراط المستقيم، ووعد المحسنين بالأجر الدائم والفضل العظيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث احدهما الصدقة الجارية، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد"...

فلما علمت فخر المخدرات السيدة أمينة بنت المرحوم بدر أفندي الخالدي من أهالي القدس الشريف، ما أعده الله تعالى للمتصدقين من الخير والثواب، أحبت أن تنشأ صدقة جارية ليكون عملها دائما غير منقطع إلى يوم الحشر والمآب، راجية من الله تعالى المغفرة وحُسن الثواب، فقد قدمت استدعاء إلى محكمة القدس الشرعية، طالبة فيه تسجيل الأملاك الآتي ذكرها في كتاب هذا الوقف....وعليه أرسل لحضرة مسجل الأراضي بالقدس مرفق به صورة قيود الطابو مع بيان العقارات المنوه عنها، وحدودها وأوصافها....فورد الجواب بتاريخ أول نيسان سنة 1942م رقم ال- بي-جي-س 50/29-522، بأنه لدى البحث في السجلات تبين أن رقبة العقارات المذكورة هي ملك ولا مانع من وقفها....

وبناء على طلب السيدة المومى إليها، وحيث كانت من النساء المخدرات، توجهت أنا عبد الحميد السائح قاضي القدس الشرعي إلى دارها الواقعة بجوار المسجد الاقصى بالقدس الشريف ومعي رئيس الكتاب الاستاذ الشيخ عبد الرحمن أفندي الدجاني ......حيث عقدت مجلسا شرعيا في احدى غرفها، حضرت فيه لدي المكلفة شرعا الرشيدة السيدة أمينة بنت المرحوم بدر أفندي أبن المرحوم مصطفى أفندي أبن المرحوم خليل أفندي الخالدي بتعريف كل من جائزي التعريف شرعا وهما سليمان افندي بن درويش الخالدي والشيخ احمد افندي ابن الشيخ محمود بن محمد العوري، كلاهما من سكان القدس، وذلك بحضور جماعة من المسلمين العدول الثقاة، وقررت السيدة أمينة المومى إليها من غير اكراه لها ولا اجبار وهي بحال تعتبر شرعا قائلة: إنني وقفت وحبست وأبدت وقفا صحيحا خيريا شرعيا وحبسا صريحا معتبرا مرعيا لا ينمحي اسمه ولا يندرس رسمه أبد الآبدين ودهر الداهرين إلى أن يرث الله الأرض وما عليها وهو خير الوارثين وذلك العقارات وحصص العقارات المملوكة الآتي ذكرها.......

فلم يكن من قبيل الصدفة أو اللغو أو أي أمر دنيوي، دفعني للكتابة حول الموضوع المزبور اعلاه، إنما تبيان الحقيقة واظهارها لحيز الوجود، مسؤولية لا يدركها إلا القليل من المخلصين للقدس وأهلها، فلا نرجو مطمعة أو ورغبة في سمو لنيل مكسب هنا أو هناك، انما زهد النفس وبعدها عن اصحاب المصالح الفئوية الدنيوية كان الغنيمة الكبرى، مما جعل الرضا والاكتفاء بنيل شرف الدفاع عن القدس بقلم حر غير مأجور أساس الاستمرار في معركة الوجود، فلن نكون ضمن زمرة الاقلام الصفراء المأجورة التي تدعي بشرف نسبها للنبي محمد صلى الله عليه وسلم تارة، وتارة اخرى بنسبها للصحابة الكرام بتباه زائف، إذ نسي البعض أن عمّ النبي اسمه عبد العزى ابن عبد المطلب كُني بالقرآن الكريم بأبي لهب ووعد الله الحق مصيره في جهنم، بينما استقر مقام بلال بن رباح الحبشي في صدارة الاسلام بعفته وصدق انتمائه وحبه للدين الاسلامي، فكان من السابقين الأولين المبشرين في الجنة.

فسكت المطبلون المتلونون، وتوقفت اقلامهم عن الكتابة، بل عجزت أيديهم عن تسطير كلمات من نور لتبيان الحق وتوجيه كل مخطئ لجادة الصواب، فمن زعم أنه من اصحاب الاختصاص والاطلاع في علم الوقف والوقفيات وتاريخ القدس وأزقتها وحواريها صمت وسكت، بل زعم بعضهم  أن علومهم الفريدة في أصول أهل القدس ونسبهم ميزة لا يفوقهم بها أحدا، في الوقت ذاته لم يتجرأ احدهم ببسط كلماتهم وعلمهم على سجادة الحرية الفكرية ضمن الصحف المحلية أو الالكترونية، لينكروا ولو بكلمة واحدة ما يتم من اعتداء على الوقف الخيري والذُري بالقدس الشريف، شُلت اقلامهم الصفراء التي كشفها كل ذي بصر وبصيرة، فلم يعد لهم وجود وحضور إلا في أزقة الظلمات، كونهم اختاروا الضلالة والبدعة على الهداية والأمانة والحقيقة والوفاء.

 مازال في جعبتي الكثير للحديث عنه بخصوص الموضوع المزبور أعلاه ضمن سلسلة حلقات، آثرت تقديمها ضمن حلقتين اضافيتين حتى لا يكل ولا يمل القارئ الكريم، لأن في الموضوع ما سيدهش القارئ، وهذه ميزت موضوع المقال التي ستتسم بالشوق وانتظار المعلومات.

 ففي الحلقة القادمة بمشيئة الله، سأخصص مقالتي في سياق حديث الشارع المقدسي، حول خلة نوح في منطقة الشيخ جراح التي كانت جزءا منها ضمن الوقف الخيري للسيدة أمينة الخالدي رحمها الله، لنرى ما اشترطته السيدة المومى إليها في وقفها، ولنتحقق معا فيما إذا تم تنفيذ شروطها ضمن رأي الشرع الحنيف تطبيقا لقوله تعالى في سورة المائدة:" يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود"، وفيما إذا اتفق أهل العلم من فقهاء المسلمين بالدليل على أن شرط الواقف يفيد أن: الشروط كلها مستحقة للوفاء بها والعمل بمقتضاها.

وللحديث بقية  إن شاء الله في الحلقة الثانية.....

 



[1] مصطلح يطلق على المراة القيادية التي ترعرعت في دور السادة، فتبرز الشخصية للمرأة بتوافر ظروف التعليم التي تصقل شخصيتها على قدرة التحليل وسعة أفق التفكير، وقد استعمل هذا اللقب إبان الدولة العثمانية للنساء ذوات المراكز المرموقة في المجتمع، لما يتمتعن به من قدوة وشرف الشجاعة في مجتمعهن.

[2]  الكاتب متخصص في الوقف واحتصل على اللقب الجامعي الثاني من جامعة بيرزيت عام 2013، ضمن حلقة بحث علمي حول الوقف، وكتب مؤلفا بعنوان دور الوقف الذُري في منع تهويد المدينة المقدسة واتخذ وقف جده الأعلى لأبيه الشيخ ابراهيم بن محمد السافوطي بن دبوس نموذجا في تثبيت النسب ونموذجا في منع تهويد المدينة المقدسة، حيث نشر المألف عام 2018.

إرسال تعليق Blogger

 
Top