0

 

الباحثة المقدسية د. نائلة الوعري في دراستها:

تسعة مقومات جعلت من القدس عاصمة فلسطين السياسية والروحية (1908-1948)


بقلم: عزيز العصا

معهد القدس للدراسات والأبحاث/ جامعة القدس

http://alassaaziz.blogspot.com/

aziz.alassa@yahoo.com


الدكتورة نائلة الوعري
؛ باحثة ومؤرخة فلسطينية مقدسية، دفعتها الظروف القسرية إلى العيش بعيدًا عن القدس؛ مسقط رأسها وحاضنة طفولتها؛ بطرقاتها وساحاتها وقناطرها ومساجدها وكنائسها. صدر لها عدد من المجلّدات القيّمة التي تسبر فيها غور فلسطين وقضاياها عبر عصور مختلفة، بخاصة الفترة العثمانية، خلال الفترة (1840-1918).

وأمّا الإنتاج الفكري الذي نحن بصدده للمؤرخة والباحثة "د. نائلة الوعري" فهو: كتابها-دراستها الحديثة " القدس عاصمة فلسطين السياسية والروحية (1908-1948)"، الصادر في طبعته الأولى هذا العام (2022م) عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ويقع في (567) صفحة من القطع الكبير، توزعت عليها تسعة فصول، وملاحق تشمل مجموعات من الخرائط والوثائق والجرائد والصور. وتجتمع فصول الدراسة لتجيب على سؤال تجنب عديد من العلماء والمؤرخين الخوض في الإجابة عنه، وهو: هل أن القدس عاصمة فلسطين السياسية والروحية؟

يحمل غلاف الكتاب-الدراسة لوحة توثق للقدس التاريخية، بالأسود والأبيض، تظهر فيها معالم التنوّع والقداسة، من خلال قباب المساجد والكنائس، ومآذن المساجد وأبراج أجراس الكنائس، وهي تتشابك، وتتداخل، وتتآزر، وتتكامل، فيما بينها، لتجيب على سؤال الدراسة المطروح أعلاه؛ بأن القدس عاصمة فلسطين السياسية والروحية بلا منازع. ثم تقدم "الوعري" لكتابها هذا على مدى عشْر صفحات، لتنبئ القارئ عن المحتوى الذي هو مقبل عليه.

 


 

اعتمدت الباحثة الوعري العمر الزمني للقدس بـ (5000) عام. وناقشت تسعة مقومات أساسية أسهمت في دفع مدينة القدس لتولّي الريادة والقيادة على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية، فغدت معها عاصمة فلسطين الإدارية والسياسية والروحية. وكانت هذه المقومات كالآتي:

المقوّم الأول- الحاضنة الجغرافية: عملًا بحاضنتها الجغرافية المميزة ومكانتها الاستراتيجية، فقد غدت القدس قلب فلسطين النابض المفعم بالنشاط والحيوية، وإحدى المنارات المتلألئة ليس في الوطن العربي وحسب بل في العالم أجمع (الكتاب، ص: 35).     

المقوّم الثاني- التحصينات الدفاعية المنيعة: إذ تمتعت القدس بتحصينات دفاعية منيعة، وبسهولة اتصالها وتواصلها مع المناطق التابعة لها، وإمكانية تحريك وحدات الأمن واستقدام النجدات العسكرية والمناورة ومشاغلة الأعداء... مما أهلها لريادة المدن الفلسطينية واختيارها مركزًا إداريًّا متقدمًا للواء القدس الشريف خلال الفترة (1908-1948)   (الكتاب، ص: 41).


المقوّم الثالث- النشاط العمراني:
فقد كانت القدس، خلال فترة الدراسة، حاضنة رحبة لمؤسسات الدولة ودوائرها المدنية والعسكرية، والأنشطة السكانية، والسلك الدبلوماسي العربي والأجنبي، وتمركز الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية فيها (الكتاب، ص: 81-82). وكما ذكرنا أعلاه، بعد النكبة عام 1948م، بقي نحو 12% من المدينة تحت الحكم الأردني الذي اتخذها عاصمة سياسية ثانية وروحية أولى، وتحويلها إلى أمانة بدل بلدية (الكتاب، ص: 128).

المقوّم الرابع- السكان: فقد أظهرت البيانات الرسمية وغير الرسمية التي عالجتها الباحثة الوعري أن مدينة القدس كانت رائدة المدن الفلسطينية في عدد السكان؛ إذ كانت أكبر تجمع سكاني في فلسطين خلال فترة الدراسة. فكان المقوّم السكاني مقوّمًا رياديًّا تمتعت به مدينة القدس. ثم جاءت النكبة عام 1948م لتسدد ضربة قاصمة لهذا المقوّم، عندما قامت القوات الصهيونية، بتشكيلاتها المختلفة، بالتطهير العرقي للسكن العرب في الأحياء والضواحي الغربية من المدينة (الكتاب، ص: 173-174).

المقوّم الخامس- التشكيلات الإدارية والسيادية: إذ انتظمت الهيكلية الإدارية في القدس والمناطق التابعة لها خلال فترة الدراسة، وذلك بغية اتخاذها مقرًّا للهيئات الحاكمة؛ المدنية والعسكرية، وقاعدة مهمة للتحكم والسيطرة، وفرض هيبتها وسيادتها على جميع المقاطعات الفلسطينية المحيطة بها، ومركزًا يعتد به لاستضافة ضيوف فلسطين؛ الملوك والأمراء والرؤساء... الخ. مما أضفى على القدس، خلال فترة الدراسة وما بعدها، هيبة الدولة وسيادتها وسماتها الرسمية وصبغتها الشرعية في المحافل الدولية (الكتاب، ص: 177-180).

المقوّم السادس-الإدارة ومراكز القيادة والتحكم: لقد تمتعت الإدارات التي قامت بالإشراف على القدس بمستويات متقدمة:

 ففي أواخر الفترة العثمانية (1908-1917) تجسّد ارتفاع المستوى الإداري في رأس أجهزتها التنفيذية؛ المدنية والعسكرية، مثل: الحكام الإداريين: المتصرف أو حاكم القدس الذي يجري تعيينه من قبل وزير الداخلية في إسطنبول، وحكّام الأقضية والنواحي. وقيادة الجيش الرابع؛ وهي أرفع قيادة عسكرية عثمانية كانت تتولى قيادة تشكيلاتها في بلاد الشام انطلاقًا من مدينة القدس خلال الحرب العالمية الأولى (الكتاب، ص: 227-233).

وخلال الاحتلال البريطاني، تم توحيد ألوية فلسطين الثلاثة عكا، ونابلس والقدس تحت اسم فلسطين، واعتماد القدس عاصمة سياسية لها، وإلحاق إمارة شرق الأردن منذ تأسيسها عام 1921م حتى استقلالها عام 1946م (الكتاب، ص: 236).

وفي فترة الاحتلال البريطاني ركّزت القيادة الوطنية الفلسطينية فعلها الوطني في مقاومة هذا الاحتلال والحركة الصهيونية المتحالفة معه. وكانت القدس هي مركز الإدارة والانطلاق في عمليات المقاومة، وكان للمجلس الإسلامي الأعلى، المتمركز في القدس، الدور البارز والرئيس في توفير مصادر التمويل من خلال الأوقاف والتبرعات؛ لإغاثة الشعب الفلسطيني، وتخليص أراضيه المستهدفة من قبل الحركة الصهيونية والاحتلال البريطاني الدّاعم لها بلا حدود (يُنطر: الكتاب، ص: 254).   

المقوّم السابع- الإجماع الشعبي المحلي: والمقصود به الاجماع الشعبي على المستوى الفلسطيني، المتعلق بمدينة القدس، وإصراره على سموّ مكانتها السياسية والروحية. وناقشت الباحثة مجموعة من السمات والمظاهر كالنزعة الفطرية التي عبّر عمها الشعب الفلسطيني تجاه القدس؛ باحترامه لمدينته وتقديرها وريادتها، وشدَّ الرحال إليها؛ متعبدًا في رحاب مقدساتها، وبذل الغالي والنفيس في سبيل الدفاع عنها، والحرص على بقائها في المقدمة. كيف لا، وهي التي تحتضن الأماكن الدينية المقدسة، وفيها التعليم بجميع مستوياته الذي تقدمه (155) مدرسة حكومية وأهلية وخاصة، وكليتان لتدريب المعلمين في المدرسة الرشيدية والكلية العربية، وفيه المستشفيات والمراكز الصحية الكبرى... (الكتاب، ص: 277-278، 320).

المقوّم الثامن- الإجماع العربي والإسلامي: يتمثل الإجماع العربي والإسلاميّ بفعالياته المادية والمعنوية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مدينة القدس. ومن هذه الفعاليات: شد الرحال والزيارة، اقتداءً بما جاء في الكتاب والسنة، وإرسال التبرعات، والتمثيل الدبلوماسي، وفتح القنصليات العربية والإسلامية في رحابها، ومقاومة القوى الطامعة في المدينة ومواجهتها (الكتاب، ص: 323-324).

المقوّم التاسع- الإجماع الدوليّ: يعدّ هذا المقوّم الأكثر تعقيدًا وتداخلًا في المفاهيم. إذ ترى الباحثة أن فكرة الإجماع الدولي على مدينة القدس وريادتها العالمية خلال القرنين الماضيين، جاء بسبب مكانتها المقدسة لدى أصحاب الديانات السماوية. إلا الدول الكبرى وطلائعها الاستعمارية الحديثة إلى التنافس فيما بينها، لانتزاعها من أيدي الدولة العثمانية صاحبة الولاية الشرعية عليها، فتحولت المدينة المقدسة إلى ساحة رحبة للصراع الاستعماري بين أقطابه المختلفة، وإعداد الحملة الصليبية الحديثة التي تطلعت إلى انتزاعها والسيطرة عليها سلميًّا! (الكتاب، ص: 372).

وناقشت الباحثة الوعري هذا المقوّم في ثلاثة محاور، هي: 1) الأطماع الاستعمارية التي راودت الدول الكبرى بشأنها، قبل احتلالها والسيطرة عليها من قبل بريطانيا بتاريخ 09/12/1917م. 2) مسألة التمثيل الدبلوماسي الذي اطلقت فعالياته سنة 1839م -مع أول قنصلية في القدي وهي قنصلية بريطانيا- مما يجسد الاعتراف العالمي الرسمي بتقدم القدس الإداري والروحي والسياسي. 3) المنظمات والهيئات الدولية الراعية للأمن والسلم الدوليين، كالصليب الأحمر، وعصبة الأمم المتحدة، والأمم المتحدة، ولجان التحقيق الدولية. أضف إلى ذلك تضامن أحرار العالم مع المدينة وقضاياها العادلة، في التصدي للنظريات الصهيونية التي تسعى إلى تهويد المدينة وانتزاعها من حضنها الطبيعي العربي والإسلامي (الكتاب، ص: 373).

 الخاتمة والتعليق،

بهذا، تمكنت الباحثة المقدسية "نائلة الوعري" من الإجابة الشافية والوافية على السؤال الذي طالما تم ترديده من قبل الشرائح الثقافية المختلفة، حول الأهمية السياسية لمدينة القدس في الحقب الزمنية المختلفة، في حين أن الأهمية الروحية واضحة وجليّة لدى الجميع.

وقد حرصت الباحثة على تتبع الأحداث والقضايا المختلفة ذات الصلة، والتسلسل الزمني لها، بما يجعل القارئ شريكًا في النص ومدافعًا عن حقيقة أثبتتها بوضوح، وهي أن القدس عاصمة فلسطين الروحية والسياسية، عبر الزمن، علمًا بأنها اعتمدت إسنادًا زمنيًّا بين عاميّ 1908م و1948م؛ فالعام الأول (1908) شهد على نهاية عهد السلطان عبد الحميد الثاني الذي أقر عودة الدستور والعودة الحياة البرلمانية للامبراطورية العثمانية، وشهد العام الثاني (1948) على النكبة التي كانت الزلزال الأكبر والأعظم والأسوأ في تاريخ فلسطين والمنطقة، المتمثل بإنشاء الدولة العبرية على 78% من أرض فلسطين واحتلال نحو 84% من القدس، و4% منها أطلق عليه المنطقة الحرام تحت سيطرة دولية، ولم يبق من القدس في أيدي أهلها سوى نحو 12% من مساحتها التي كانت في ذلك الحين حوالى (19,000) دونم.

استمرت الدراسة حتى آخرها تدور حول الفترة الزمنية قيد الدراسة، وأي تطرق للأحداث التي تمت في فترات أخرى، جاء لتوظيفها في خدمة هدف الدراسة الأساس، وهو: إن القدس عاصمة فلسطين السياسية والروحية (1908-1948). علمًا بأن تقديم السياسية على الروحية هو محط استفسار؛ لأن القيمة الروحيّة للقدس حاضنة الأماكن المقدسة لم تكن محلّ شكّ أو تساؤل في زمن من عمر القدس الذي تقدره الباحثة بـ (5,000) عام.

وأما المقوّمات التسعة التي ناقشتها الباحثة، فقد شكلت المرتكزات أو القواعد الصلبة التي تتكامل فيما بينها وتتعاضد من أجل إحقاق الحقيقة القائلة بأن القدس عاصمة فلسطين السياسية والروحية بلا منازع ولا منافس. وفيما يتعلّق بالمقوّم المتعلق بالاجماع الدولي، تمكنت الباحثة من الفصل الدقيق بين الإجماع القائم على ضرورة المحافظة على المدينة المقدسة باعتبارها قبلة الديانات السماوية، والاجماع القائم على الهدف الاستعماري العدواني في استخدام مكان القدس (جغرافيتها) ومكانتها من أجل السيطرة على المنطقة ونهب ثرواتها واغتصاب حقوق أبنائها في العيش الكريم على أرض الآباء والأجداد.

ويتضح من هذه الدراسة مدى الجهد الكبير والاستثنائي المبذول في جمع المصادر والمراجع والسجلات والصحف والوثائق والخرائط من مصادرها الأصلية. وما يعنيه ذلك من الأصالة في مصادر المعلومات والتنوّع في تلك المصادر. علمًا بأن الإحالة إلى السجلات كانت بأعداد كبيرة وتميل إلى التعميم؛ مما قد يضع القارئ المتابع والمتخصص أمام صعوبة كبيرة في التوصل إلى ما استندت إليه الباحثة من بيانات وبيّنات.    

فلسطين، بيت لحم، العبيدية

15 آذار، 2022م

إرسال تعليق Blogger

 
Top