0

مشهور البطران في روايته "أوبرا القناديل":
الأحداث تتابع بسلاسة.. والزعيم ينتهي في سقيفة عفنة
نشر في صحيفة القدس بتاريخ: 13/11/2018، ص: 16
                                                         عزيز العصا
مشهور البطران؛ كاتب-قاص-روائي فلسطيني. وكما عرفته، فهو صاحب فكرٍ تربويّ اكتسبه من خلال مهنته كمعلّم، فلم يكن معلمًا تقليديًا يلقي بما لديه من معرفة على السبورة ليعيد الطلبة "اجترارها" ويفرغونها على الورق عند الامتحان، بل يحرص كل الحرص على أن يكون للعلم والتعلّم والعمليّة التعليميّة معنى ودورًا في صياغة شخصية المتعلّم.
منذ العام 2001 حتى تاريخه، صدر لـ "مشهور البطران" سبعة أعمال أدبية؛ أربع روايات وثلاث مجموعات قصصيّة. وأما العمل الأدبي الذي نحن بصدده، فهو روايته "أوبرا القناديل"، الصادرة في طبعتها الأولى العام (2018)، عن: الرعاة للدراسات والنشر برام الله وجسور ثقافية للنشر والتوزيع في عمّان. تقع الرواية في (258) صفحة من القطع المتوسط.
ثيمة الرواية وحبكتها
تقوم الثّيمة "القضيّة" الرّوائيّة الرئيسيّة، لرواية "أوبيرا القناديل كما رأيتها، على سبر غور شخصية الحاكم الذي يتكئ على مجموعة من المنافقين والمتزلفين، الذين يُسمعونه ما يريد سماعه، ويهمل الآراء الحكيمة الناضجة التي تقف أمام الحقائق كما هي من أجل المعالجة، لينتهي أمره إلى الخضوع للقوى الاستعمارية المعادية له ولشعبه الذي يلقي به في سقيفة عفنة.
ثم تأتي الحبكة، وما يكتنز فيها من أحداث، فيها القليل من الفانتازيا والكثير من الواقعية. وقد وظّف فيها السارد "وهو الكاتب نفسه" جملة من المفاهيم العلمية والأفكار والنظريات الفلسفية، والأشعار والأغاني الشعبية، جعلت للنص الروائي نكهة خاصة منحت الرواية هويتها وتميّزها بين الأعمال الروائيّة.
عناصر الرواية
وأما عناصر الرواية، المتمثلة بالمكان والزمان والشخصيات والسرد، فقد تآزرت معًا لتجعل القارئ منسجمًا في النص، حتى النهاية:  
فالبنية المكانيّة عبارة عن بلد مسلم يقوده "زعيم" فاقت سلطته الوصف([1])، وأما أحداث الرواية فتدور فيما أطلق عليه السارد "السرايا" –الرابضة بقلاعها المحصنة على أعلى هضبة في المدينة([2])، وما يتصل بها من أماكن تتحرك فيها أبطال الرواية كالساحة العامة والسجن والسقيفة التي ينتهي إليه أمر "الزعيم".
أما البنية الزّمانيّة، فلم يصرّح بها السارد، إلا أن ملامحها العامة، ووفق البعد الواقعي للرواية، تشير إلى الحقبة التي ثارت فيها الجماهير العربية على حكّامها، والتي انتهى أمرها إلى سيطرة الإرهاب "الدولي" الذي ادعى الإسلام، وأصبح يذبح الناس بإسم الدين. أي أنها في حدود العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.    
وأما بشأن شخصيّات الرواية، فإن الكاتب تمكّن من تكثيف ما يحتاجه من ثيمة الرواية في الشخصيّة الرئيسة، التي أطلق عليها "الزعيم" أو "الأب الكبير"([3])، ووظّف إلى جانبه عددًا من الشخصيات الثانوية، كالحكيم و"مشعل"؛ الناصح الأمين سليل القصر وأمه خادمة من عامّة الشعب. وقد جاءت سمات وخصائص بطل الرواية متطابقة، إلى حد كبير، مع الدور المرسوم له؛ فهو محاط بالعسس الذين ينتشرون في كل الزوايا والزنقات، وعندما ينزل إلى الساحة العامة يوزع مرافقوه على الأطفال والمتسولات. كما يكمل السارد المشهد بزوجات "الزعيم"، لا سيما "المدللة" وهي الأقدر على خطب ودّه.
معمار الرواية
وعلى مستوى المعمار الروائي، جاء السرد الروائي بلغة عربية سليمة وواضحة، وبترقيم وتشكيل جعلنا أمام نصٍّ منضبط خالٍ من الأخطاء. كما تم توزيع متن النص على مدخلين وأربعة فصول شملت (32) محطة؛ لكل محطة قضيتها وموضوعها، تنقل القارئ بين الأحداث بتتابع سلس. كما كان للفنتازيا مساحة تم توظيفها بما يخدم ثيمة الرواية؛ عندما وظّف الكاتب سيمياء الصراصير؛ بما تعنيه من العيش في الأماكن الرطبة والآسنة والمظلمة.
ولا بد من الإشارة إلى أن السارد-الكاتب استخدم بعض العبارات أو المفردات التي لم تعجز اللغة العربية عن توفير بدائل لها، بخاصة (.....) مقسومة بخيط، والغوص في تفاصيل الملابس الداخلية للزوجة.
وأما توظيف الصراصير وما يرتبط بها من سيميائة ذات صلة بهذا النوع من الحشرات، فكأني بالكاتب يُدخل على الأعمال الروائية العربية سيميائية جديدة تشبه استخدام الروائي الروسي "فلاديمير نابوكوف" للفراشات التي كان شغوفًا بها، حتى أنه كان يشتق أسماء شخصيات رواياته من أسماء الفراشات وأنواعها([4]).   
كما أن الرد على الإرهاب بالموسيقى، وإن كان يحمل في طياته فكرة إبداعية تتمثل في أن الأمل والإيمان بالحق في العيش حركان للصمود والمواجهة، إلا أنه يصعب علينا تصوره كرد عمليّ على قطع المذابح التي أشارت إليها أحداث الرواية. وأما آخر محطتين في هذه الرواية، فقد تم تخصيصهما للموسيقى بشكل لم يكن بمستوى ما سبقه من النص الروائي، للحد الذي حصل فيه انزياح في السرد باتجاه "النص المسرحي" على حساب السياق العام للرواية.    
سير الأحداث في الرواية
تتلخص أحداث الرواية في أن مدينة تعيش تحت حكم عائلة تتوارث الحكم، ولكل حاكم منها لوثة أو متلازمة: الجد الأول عانى من متلازمة الموت والعتمة([5])، والجد الثاني أصيب بهوس السحر([6])، وبطل الرواية "الزعيم" من لوثة "الصراصير"؛ مسكون بمزيج من الخوف والتقزز. تدور الأحداث ويكبر دور الصراصير في حياة الزعيم، فيمعن في قتلها حتى تتدخل منظمات حقوق الحيوان، وتفرض على "الزعيم" الاستسلام للصراصير وعدم المساس بها، لينتهي الأمر بانتشار الفساد والفقر والفاقة والتلوث البيئي. فيثور الشعب ويلقي بالزعيم في سقيفة مليئة بالصراصير. وتتعرض "الثورة" لاختراق من إرهابيين "يذبحون" الشعب بإسم الدين. ووفق الرواية يكون الرد بالتركيز على الموسيقى في تحسين نفسيات الجماهير ومقاومة أثر الإرهاب والخوف.
ما وراء النص
بين أحداث الرواية التي تتواتر وتتسارع، نجد أن السارد يضعنا أمام حقيقة مهمّة وهي أنه على الحاكم أن يستمع لصوت العقل وأن يقرّب منه الحكماء والعقلاء القادرين ثني الحاكم عن السير في غيّه، وردّه إلى جادّة الصواب. ويعيدنا إلى الحقيقة الكامنة خلف انهيار أنظمة الحكم الشموليّة، التي تتكئ على العسس والمنافقين والمتزلفين والانتهازيين، الذين سرعان من يتخلون عن "زعيمهم"، ويبحث كل منهم عن مصالحه في أي مكان خارج الوطن.
وأما سيميائية الصراصير فتشير إلى الاستعمار الذي يدخل إلى البلد بوسائل وأساليب "قذرة" ولاأخلاقية، وعبر كل الوسائل التي تمكنه من تحقيق أهدافه في السيطرة على مقدرات البلد، ثم يلقي البلد في أتون خلاف واختلاف يوصل الشعب إلى حالة من الاقتتال الداخلي الذي يهوي بالبلد إلى الحضيض.     
حكم وأقوال
لقد وظّف السارد-الكاتب من الأقوال والحِكَم والمعلومات العلميّة الدقيقة، ما يضع القارئ أمام نصّ يشكل مصدرًا لرؤى فلسفية. وفي الصفحة الأولى من الرواية نجد أن الكاتب يومئ لنا قائلًا: "إذا حضرت الفانتازيا غاب المنطق، لكن المعنى يظلُّ قائمًا"، وهو بذلك يشير إلى القارئ بأنه مقبل على نص في من الفانتازيا التي لا تمس المعنى ولا تغيره، بل تبقي على جوهره.
وأما الأقوال ذات المعنى التي تبقى في القارئ، وتردف ثقافته ومعرفته بما هو جديد، فقد انتشرت بين السطور والفقرات، وقد التقطت منها:
1)    العظماء يصنعون التاريخ، أما الصغار فيصنعهم التاريخ ويلقي بهم على قارعته([7]).
2)    عندما تتحوّل قوة القائد إلى قسوة يتحول من قائد إلى جلّاد([8]).
3)    القويّ لا يحتاج إلى القسوة، الضعفاء فقط يقسون([9]).
4)    فكرة إنهاء العدو عن الوجود هي فكرة عبثية([10]).
5)    قوة الآخر تكمن في طريقة إدراكك له([11]).
6)    الموسيقى ذائقة تترسخ في الروح والعقل إذا تم تعلمها في الطفولة([12]).
7)    العلم والغضب لا يلتقيان على مائدة واحدة([13]).
8)    الوجود لا يحتاج إلى اعتراف([14]).
9)    الدين هو مصدر من مصادر الأخلاق، وليس المصدر الوحيد([15]).
10)           في الحياة النقائض لا تلغي بعضها البعض بل تتعايش في وئام([16]) فالفرح يستحيل إدراكه إلا بوجود الحزن([17]).
11)           السلام مع العدو لا يتحقق وأنت ضعيف([18]).
12)           الموسيقى هي فن إدارة الصمت([19]).
خلاصة القول
لا يمكننا المغادرة قبل أن أشير إلى أن في هذه الرواية وصف واضح للأبوية والبطريركية التي تُمارس في مجتمعاتنا، وفق مفهوم السلطة المطلقة للأب، وقد يكون هذا الأب ولدًا أو حاكمًا أو مديرًا. وعندما يظهر في محيطه "مشعل" الموصوف في هذه الرواية، الذي يقرع جرس الإنذار بشأن الفساد والظلم المجتمعي، نجد أن البطريرك يتمسك بتقاليده وسلطته وسطوته، ويتحول من ممارسة القوة إلى ممارسة القسوة؛ التي تعني ضعفه وهوانه.
وأما العمل الروائي للكاتب "مشهور البطران" فقد تميّز بخيط روائي متين، استمر على طول النص، واستطاع الانتقال من مشهد إلى آخر بسلاسة، ليخرج علينا بنص روائي مشبع بالمعرفة وفن السرد الذي يوظّف رؤى وفلسفات وآراء يقف وراءها سارد يدرك المرامي والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها من خلال عمله الروائي.      
فلسطين، بيت لحم، العبيديّة، 30/10/2018م


[1] الرواية، ص: 17.
[2] الرواية، ص:8.
[3] الرواية، ص: 8-9.

[4] انظر مقال الكاتب "فلاديمير لوهتانوف": علم الحشرات: براعـة نابوكـوف العـلميـة. وفق الرابط التالي (أمكن الوصول إليه في 30/10/2018):

[5] الرواية، ص: 23.
[6] الرواية، ص: 22.
[7] الرواية، ص: 12.
[8] الرواية، ص: 19.
[9] الرواية، ص: 21.
[10] الرواية، ص: 48.
[11] الرواية، ص: 52.
[12] الرواية، ص: 62.
[13] الرواية، ص: 71.
[14] الرواية، ص: 97.
[15] الرواية، ص: 125.
[16] الرواية، ص: 126.
[17] الرواية، ص: 184.
[18] الرواية، ص: 141.
[19] الرواية، ص: 180.

إرسال تعليق Blogger

 
Top