0

في ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم:

نستذكر ميلاد أمة عمرت المعمورة صدقًا وعدلًا

نشر في صحيفة القدس، بتاريخ: 20/11/2018، ص: 12
                                                         عزيز العصا

ونحن في أجواء ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه مما يسر الخاطر ويريح البال أن نبحر في سيرته ومسيرته صلوات الله عليه وسلامه. لقد قمت، وعبر مقالي في العدد (142) من مجلة الإسراء، بتتبّع موضوع الصدق والأمانة التي كانت أول صفة اتصف بها رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، وأصبحت ملازمة له وتميّزه عن غيره من أبناء بيئته الاجتماعية: فهو "الصادق"، وهو "الأمين"، وبهاتين الصفتين "الصادق الأمين" كان يُنادى، بل يكنّى صلى الله عليه وسلّم، في مجتمعه، ومن خلال هاتيْن الصفتيْن كان يُنظر إليه صلى الله عليه وسلّم، نظرة مهابة وتقدير عاليتيْن.
إن في ذلك إشارة إلى أن عرب ذلك العصر، ورغم جاهليّتهم، كانوا يجلّون الصدق والأمانة، والوفاء، والعدالة، وغير ذلك من الصفات الحميدة، التي إن فقدها المجتمع اهتزت أركانه، وتبعثرت مركباته، ومكوّناته القيميّة، والأخلاقية.
عندما صدح صلى الله عليه وسلّم، برسالته ودعوته، التي تشكّل نقيضًا لزعماء قريش، الذين كانوا قد صاغوا المجتمع، ورسموا ملامحه العامة، والخاصة بما يخدم مصالحهم، ويضمن هيمنتهم على مجتمع جاهل وجاهليّ، منقاد لآراء ومفاهيم، ورؤى ما أنزل الله بها من سلطان، حينئذ، سارع عتاة قريش فورًا إلى التحرّك الجاد من أجل القضاء على هذه الدعوة في مهدها؛ فأخذوا يفتشون عن صفات وسمات يطلقونها على "محمد بن عبد الله" الذي عمه أبو طالب، وجدّه عبد المطلب، وهما من سادة قريش، فقالوا عنه: ساحر، وكاهن، ومجنون.
يلاحظ من تلك الاتهامات أن أولئك القوم لم يجرؤوا على اتهام "محمد" بالكذب، أو الخيانة، أو الخداع؛ لأنه أصبح من الاستحالة عليهم إقناع أي من أبناء ذلك المجتمع، مهما بلغت سذاجته، بأن محمدًا "الصادق الأمين" يمكن أن يكون غير صادقٍ ولا أمين؛ لأن هاتيْن الصفتيْن الملازمتيْن له أصبحتا راسختين في نفوسهم، وتجعلانه عصيًا على التشكيك، وعلى الإشاعات، والشائعات التي يمكن أن تمس بهما.
على تلك القاعدة من الصدق والأمانة، انطلقت الدعوة المحمّدية من مكة المكرّمة، وانتشرت بين فئات المجتمع الجاهلي وطبقاته المختلفة، الذي كان لسان حاله يبحث عن الصدق والأمانة، وأخذت الدعوة تؤتي أكلها بسرعة أذهلت المعارضين والمعاندين والكفرة والمنافقين، فتشكّل حول محمد، صلى الله عليه وسلم، جماعة من المؤمنين برسالته، والقادرين على حمايتها، والدفاع عنها، غير خائفين من حجم الأعداء، وقدراتهم الفائقة، وقد وصفهم الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز بقوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح: 29).
هكذا، حمل رسالة الإسلام رجال أشدّاء على الكفار أقوياء في ساح الوغى، يُقبلون على الجهاد في سبيل الله، والدفاع عن نبيّهم، بصدور تعتمر بالإيمان بالله الواحد الأحد، وليس بصنم أصمّ، وفي كل ذلك، كان دليلهم، ومن يضئ لهم الطريق نبيهم، وما يتنزّل عليه من الوحي، فاعتمرت قلوبهم بالقرآن الكريم، الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلّم: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ فَاقْبَلُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلُ اللَّهِ، وَالنُّورُ الْمُبِينُ، وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ عِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ تَبِعَهُ، لَا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ، وَلَا يَعْوَجُّ فَيُقَوَّمُ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا يَخْلَقُ مِنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، اتْلُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْجُرُكُمْ عَلَى تِلَاوَتِهِ كُلَّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ وَلَامٌ وَمِيمٌ)(2).
كما حمل صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، رسالة الإسلام إلى أصقاع المعمورة ليس كثورة موقوتة، وإنما كحركة شاملة من حيث الزمن، ومن حيث المضامين لتغيير أشياء كثيرة؛ كتغيير المجتمع، وتغيير النفس، وتغيير الأخلاق وتغيير الاقتصاد(3).
لأن الرسالة المحمدية بدأت بالصادق الأمين، فإنها توسعت وارتفعت وتيرة فعلها وأثرها بصادقين آخرين، وأصحاب شكيمة وقوة من صحابته، رضوان الله عليهم، وأصحاب كلمة حق واضحة جليّة في وجه الظلم والطغيان، أيًا كان شكله ومصدره، وأيًا كان فاعله.
فكان معه أبو بكر: أول ذكرٍ أسلم بعد خديجة.. صدّيق.. ورجل المهمات الصعبة. وأصبح الصدّيق خليفة الأمة وقائدها، بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، فسار على نهج النبوّة في كل حركة من حركاته وفي كل خلجة من خلجاته، رضي الله عنه. وفي عهده، رضي الله عنه، جرت أحداث الردّة، فكان حاسم الأمر قويّ الإرادة، لم تأخذه في الحق لومة لائم، فقال قولته المشهورة: "واللهِ لو منعوني عقالاً كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه"(9).
وكان معه عمر بن الخطاب: الفاروق.. ومؤسس الإدارة في الدولة الإسلامية. وقبل أن يُسلم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: " اللهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَكَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَى اللهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ"(11)، وعندما أسلم عمر، كان حصنًا منيعًا للإسلام والمسلمين، وفي ذلك يقول ابن مسعود: "كان عمر حائطًا حصينًا على الإسلام؛ يدخل الناس فيه ولا يخرجون"(12).
فأصبح عمر الخليفة الثاني للأمة، وتميز بما اتصف به  من حنكة القائد العسكريّ في المعارك وسوح الوغى، والسياسيّ في الحوارات والجدل من الكفار والمنافقين. ويبقى عمر رضي الله عنه أنموذجًا حيًا للبشرية جمعاء في عدله، وشجاعته، وإيمانه، وقدرته، التي لا تضاهى، على إدارة الأزمات، إلى أن وافته المنيّة على يد أبي لؤلؤة المجوسي سنة 23هـ/644م؛ أي بعد أن تولّى أمور المسلمين على مدى عشر سنوات.
الخلاصة
هكذا، نرى بأن مولد محمد، صلى الله عليه وسلّم، هو مولد أمةٍ بأكملها، كان أبناؤها في غفلة من أمرهم، فيجيء الإسلام ليكشف عن مخزوناتها وقدرات أبنائها على الفعل، عندما يكون الصدق والأمانة والعدل والحق والإنصاف هو ديدن قادتها، لا سيما محمد وصاحبيه أبي بكر وعمر، الذين أسسوا لدولة الإسلام، القائمة على العزة والكرامة والسؤدد.
وأما اختيارنا للصحابيين: أبي بكر وعمر، فلا يعني أنهما الوحيدان اللذان يتمتعان بما ذُكر من سمات وخصائص لكل منهما، وإنما كان الصحابة حول الرسول، صلى الله عليه وسلّم، يشتركون معهما في الكثير من تلك السمات؛ فها هو الرسول، صلى الله عليه وسلّم، يقول: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ)(15)، وقال عنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو يموت: (لَوْ أَدْرَكْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَاسْتَخْلَفْتُهُ وَمَا شَاوَرْتُ فِيهِ فَإِنْ سُئِلْتُ عَنْهُ، قُلْتُ: اسْتَخْلَفْتُ أَمِينَ اللَّهِ وَأَمِينَ رَسُولِه)(16).
الهوامش
1.      الشهري، خالد بن محمد (2015). اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون والسحر والكهانة. شبكة الألوكة الالكترونيّة. انظر الرابط (أمكن الوصول إليه بتاريخ: 18/09/2018م):
2.      المستدرك على الصحيحين، 1/741 .
3.      خضر، عبد العليم (1993). المسلمون وكتابة التاريخ: دراسة في التأصيل الإسلامي لعلم التاريخ. المعهد العالمي للفكر الإسلامي. سلسلة المنهجية الإسلامي (6). هيرندن، فيرجينيا، الولايات المتحدة، ص: 294.

4.      يوسف، محمد خير (1997). أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وسر عدالته، سلسلة القدوة الحسنة (2). دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، ص: 19.

5.      الطنطاوي، علي (1986)، أبو بكر الصديق، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة. المملكة العربية السعودية. الطبعة الثالثة. ص: 73.

6.      الطنطاوي (1986)، مرجع سابق. ص: 47-48.

7. صحيح البخاري، كتاب الصلاة، بَابُ المَسْجِدِ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالنَّاسِ.

8. طقّوش، محمد سهيل (2011)، تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية، دار النفائس للنشر والتوزيع. بيروت. لبنان، الطبعة الثانية، ص: 22.

9. السرجاني، راغب (2008)، مختصر قصة الخلفاء الراشدين، انظر الموقع الإلكتروني (أمكن الوصول إليه بتاريخ: 19/09/2018م): https://islamstory.com/ar/artical/20019/مختصر_قصة_الخلفاء

10. السرجاني، راغب 2008، مرجع سابق.

11. مسند أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مُسْنَدُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.

12. ملتقى أهل الحديث، انظر الرابط (أمكن الوصول إليه بتاريخ: 19/09/2018م):

https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=11771

13. مسند أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مُسْنَدُ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

14. يوسف (1997)، مرجع سابق، ص: 14-16.

15. مسند أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مُسْنَدُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.

16. فَضَائِلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، 2/742.

فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 18/11/2018


إرسال تعليق Blogger

 
Top