0

 

ماهر الشريف في دراسته "المثقف الفلسطيني ورهانات الحداثة (1948-1908)":

 المثقفون الفلسطينيون أدركوا مبكّرًا الخطر الذي اجتاح بلادهم وحذّروا منه!

نُشِرَ في صحيفة القدس، بتاريخ 28/12/2020، ص: 13 

                                                                                                                 بقلم: عزيز العصا

معهد القدس للدراسات والأبحاث/ جامعة القدس

http://alassaaziz.blogspot.com/

aziz.alassa@yahoo.com

صدر للمؤرخ الفلسطيني "ماهر الشريف" عديد من المؤلفات الخاصة بالقضية الفلسطينية في مختلف المجالات؛ الفكر السياسي، والاقتصادي والاجتماعي، وفي الفكر الإسلامي، وفي العلاقة بين الشيوعية والقومية، وغير ذلك من المجالات([1]).

أمّا الإنتاج الفكري الذي نحن بصدده لل
مؤرخ "الشريف" فهو: دراسته
"المثقف الفلسطيني ورهانات الحداثة (1948-1908)"، الصادرة هذا العام (2020) عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية برام الله، في كتاب يقع في (326) صفحة من القطع الكبير، توزعت عليها عشرة فصول. وقد قمتُ بقراءة متمعنة لهذا الكتاب-الدراسة، فخرجتُ بما يشبه الدراسة المطوّلة حولها، والتي أقتبسُ منها هذا المقال القصير. وكانت ندوة اليوم السابع قد نظمت لقاء مع "الشريف" في 10/12/2020، تبادلنا فيه الرأي النقدي والتحليلي للكتاب.

لقد وجدتُني أمام دراسة قيّمة ذات مفاصل محدّدة، التزم فيها الباحث بصُلب الموضوع دون أن يشتت القارئ في حوارات جانبية تبتعد به عن الهدف من الدراسة. وكما ورد في مقدمة الكتاب، فإن هذه الدراسة عبارة عن عشرة فصول، توزعت على أربعة رهانات رئيسة، سنقوم، فيما يأتي، بتتبعها بالترتيب؛ لنسبر غور منهجية المثقف الفلسطييني وأدواته المختلفة، سواء في مواجهتها أو مسايرتها:

أولًا: رهان الثقافة والمجتمع: يناقش هذا الرهان ثلاثة مواضيع، هي: المثقف الحديث، من حيث تكوينه وسماته ودوره المجتمعي؛ ومفهوم الحداثة وسبل بلوغها، وينهي بموضوع الصحافة كوسيلة للتعبير عن الأفكار الحديثة وأداة تكوين الرأي العام.

يرى "الشريف" أن المثقف الفلسطيني، بصورة عامة، كان مثقفًا عقلانيًّا وعلمانيَّا، اتسم بنزعة إنسانية؛ بعيدًا عن التعصب واللجوء إلى القوة" (ص: 23). إذ نرى إن السكاكيني "استغرب انقياد البشر إلى غرائزهم الوحشية ولجوئهم إلى القوة (لحد الإبادة الجماعية في حل مشكلاتهم، كما في القنبلة الذرية) (ص: 27).

وحول العلاقة مع الغرب تبنى المثقف الفلسطيني مفهوم "دوران الحضارة"؛ إذ رأى أن التفاعل الحضاري قد رافق الإنسانية عبر مراحل تطورها؛ فالعرب لم يتوانوا عن الاقتباس ممن سبقهم في التمدّن، والغرب تفاعلوا مع المدنيات التي سبقتهم، ومنها مدنية العرب (ص: 49ـــــــ50).

ثانيًا: رهان "تنازع البقاء": يناقش هذا الرهان دور المثقف الفلسطيني في كل من: التصدي للصهيونية والتحذير من مخاطر مشروعها، ومواجهة الاستعمار البريطاني. ويرى "الشريف" بأن "المثقف الفلسطيني اكتشف ماهيّة الصهيونية وأهدافها منذ عام 1908" (ص: 95)، وذلك عندما قام نجيب نصار (الكرمل) بنشر عدة مقالات مبينًا أن الصهيونية تشعل أفكار عموم اليهود وقلوبهم في أقطار العالم كله، وأنها أجرت مفاوضات مع حكومات بريطانيا، وروسيا، وايطاليا وأمريكا، ومع السلطان عبد الحميد. وبعد أن أكد معارضته لهذه الحركة، انتقد نصار اليهود العثمانيين الذين جعلوا من أنفسهم آلة بيد المستعمرين؛ فيعيرون أسماءهم لمشتري الأراضي" (ص: 96).

كما أن محمد روحي الخالدي أكمل مشوار عمه (يوسف ضياء)، من خلال مخطوطة عن الصهيونية، التي يرى بأنها ظهرت بتأثير عاملين: أحدهما "اضطهاد اليهود، وثانيهما "نمو الشعور القومي فيهم"، الذي ولّد في اليهود "شوقًا للاتحاد القومي والحياة المشتركة واعادة مجد إسرائيل القديم الذي اطنبت بذكره كتبهم الدينية" (ص: 98).

ثالثًا: رهان الهويّة: يتناول هذا الرهان ثلاثة مواضيع رئيسة، هي: الوطن والوطنية في وعي المثقف الفلسطيني، والموقف من الظاهرة الدينية، ووعي العروبة.

فقد فَتَحَ المثقف الفلسطيني، خلال فترة الدراسة، عينيه على مفاهيم "الوطن" و"الوطنية"، و"الوحدة الوطنية" كمفاهيم حديثة قادمة من جيل روّاد النهضة العربية في القرن التاسع عشر، وقد جاءوا بها من خلال احتكاكهم بالأفكار الأوروبية الحديثة، فقبل الحرب العالمية الأولى كان "وعي الوحدة العثمانية متأصل في النفوس، وأن فلسطين هي بمثابة القلب من سورية والجزيرة العربية (ص: 157). أما فلسطين بالذات فقد ابتلى "العرب العثمانيون" فيها بالجمعية الصهيونية التي أثارت حربًا اقتصادية سلمية، وصعدت دعوة لإنقاذ فلسطين من خطر الاستعمار الصهيوني (ص: 158).

رابعًا: رهان بلوغ الحداثة: يشمل هذا الرهان موضوعين رئيسيين، هما: التربية والتعليم كوسيلتين لولوج الحداثة وكسب صراع تنازع البقاء، ويناقش علاقة المثقف (الفلسطيني) بالوطنية العملية، ودوره في تنظيم الشعب وتعبئة طاقاته وموارده.

ففي شأن التربية والتعليم رأى المثقف أنهما أهم وسيلتين لتمكين مجتمعه من ولوج الحداثة، وتمكينه من مواجهة الصهيونية في صراع "تنازع البقاء" بالعلم، داعيًا أمته أن تتدرّج بالعلم، لتأمن على نفسها من الاضمحلال أمام تيار العالم الجارف. ورأى خليل طوطح بضرورة أن تعم التربية كل "فرد من أفراد الأمة، ذكورًا وإناثًا، فتكون كالخمير الذي يخمرّ كل ذرة من الدقيق (ص: 243).

وظهرت دعوة إلى تعبئة طاقات النساء وتمكينهن من الاضطلاع بدور مجتمعي مهم (ص: 274)، بخاصة دورها في تنشيط الاقتصاد الوطني، الذي يواجه منافسة شديدة من الاقتصاد الصهيوني (ص: 276). وفي 26/10/1929 نظم في القدس المؤتمر المؤتمر النسائي العربي الأول (ص: 277). وقد برز دور المرأة بجلاء خلال تظاهرات وإضرابات 1933، خصوصا في القدس ويافا (ص: 278).

أخيرًا،

لقد علّقت هذه الدراسة الجرس لمنهجية بحثيَّة سوف تترك أثرها في الباحثين من الأجيال القادمة، فقد غطّت مساحات واسعة من الكفاح السلمي للشعب الفلسطيني، الذي قاده –أو مارسه- مثقفوه بهمّة وطنية عالية، وبعزيمة لا تلين، لا تقل في أثرها كثيرًا عن أثر البندقية التي حملها الثائر الذي تمترس خلف سلاحه، فقاتل وقتل.

نظرًا لأن في الكأس البحثي عادة جزء فارغ، يطمح الباحث –صاحب الدراسة- إلى التعرف عليه ممن يقدم قراءة نقدية لدراسته، فإنه يسعدني أن أتوجه للباحث "ماهر الشريف" مشيرًا إلى ما يمكن تصويبه و/أو تعديله في طبعات قادمة بعون الله، أبرزها: أن الباحث بنى ما يشبه الحاجز بين ما أسماه "المثقف الفلسطيني" وما أطلق عليه "اليساري الفلسطيني"، وأورد الباحث رأي "اليساري" بعيدًا إلى حد ما عن "المثقف". وهنا يكون قد خلق إشكالية بحثية، سؤاله: أليس اليساري مثقفًا؟ وهل جميع المثقفين المذكورين في الدراسة غير يساريين؟

أبارك للمفكر-المؤرخ "ماهر الشريف" هذا الإنجاز العلمي، الذي سيبقى منارة للأجيال؛ قراءة وفهمًا وتوظيفًا للمعلومات القيّمة التي وردت فيه، وتطويرًا له بدراسات أخرى تتكئ عليه وتتوسع في سبر غوره، وصولًا إلى عمل موسوعيّ، نحن بأمسّ الحاجة له للإجابة على السؤال الاستراتيجي، الذي لم نجب عليه حتى اللحظة، وهو: كيف ضاعت فلسطين؟  

فلسطين، بيت لحم، العبيدية

25 كانون الأول، 2020م

 



[1] مؤسسة الدراسات الفلسطينية. يُنظر الرابط (شوهد في 13/12/2020):

https://www.palestine-studies.org/ar/taxonomy/term/1726

إرسال تعليق Blogger

 
Top