0

 الباحث المقدسي "محمد موسى العويسات": يواجه تهويد المكان وعبرنة اللّغة في القدس!

نشر في صحيفة القدس، بتاريخ: 02 آب 2021، ص: 13  

بقلم: عزيز العصا

معهد القدس للدراسات والأبحاث/ جامعة القدس

aziz.alassa@yahoo.com

http://alassaaziz.blogspot.com/


"محمد موسى العويسات"
؛ أكاديميّ وكاتب فلسطينيّ مقدسيّ، ولد في جبل المكبر وترعرع في القدس، حتى حمل القلم؛ باحثًا وكاتبًا، يلتقط الأفكار بعين صقر، فيخرج علينا بعناوين إبداعيّة، تحمل نصوصًا متميّزة، تدفعك إلى البحث عنها وقراءتها فور مرور العنوان أمام ناظريك.

وأما الإنجاز الأخير الذي نحن بصدده لـ "العويسات" فهو كتابه "في مواجهة تهويد المكان وعبرنة اللّغة". يتضمّن الكتاب، الصّادر عن مكتبة كلّ شيء الحيفاويّة عام 2021، بحجم 219 صفحة من القطع المتوسّط، ثلاثة أبحاث، هي:

أولًا: "الحضرة الأنسيّة في الرّحلة القدسيّة" للرحّالة الشّيخ عبد الغني النابلسيّ (1050هـ/1641م-1143هـ/1731م) المولود في دمشق: ويتحدّث الرّحالة النّابلسيّ في هذه الرّحلة عن القدس، ويقابلها بمكّة المكرّمة، باحثًا في أسمائها وحدودها، وفضائلها، وواصفًا الصّلاة في المسجد الأقصى المبارك في حينه. كما يتطرّق الباحث "العويسات" إلى الجوانب العمرانيّة، والعلميّة، والدّينيّة، وإلى منهجيّة النّابلسيّ وأسلوبه في كتابه قيد النقاش.

ثانيًا: المكان في أدب محمو شقير: إذ يقدّم "العويسات" لهذا البحث باستعراض مفهوم المكان في العمل الأدبيّ، ثمّ ينطلق باحثًا في "الصّراع على المكان في أدب محمود شقير"، وما تميّز به هذا الكاتب المقدسيّ العريق من إبداع في التّعامل مع المكان؛ بتوصيفه، وتشخيصه، والتّوثيق له، بخاصة القدس بتراثها وأزقتها وطرقاتها وأسواقها، وخصّص "العويسات" مساحة "للمقاهي والشبابيك"، وتوظيف كلّ ذلك في أعمال "شقير" المختلفة؛ القصصيّة والرّوائيّة.

ثالثًا: تأثير اللّغة العبريّة في لغة أهل مدينة القدس:

يبلغنا الباحث "العويسات" في هذا البحث أنّه لم يعثر على دراسات سابقة تتناول تأثير العبريّة في لغة أهل القدس على وجه الخصوص، وإنّما هناك دراسات ركّزت على تأثير اللّغة العبريّة على فلسطينيّي 1948. وبعد البحث، تبيّن عدم وجود فوارق بين شريحتي الشّعب الفلسطيني في القدس وفي المحتل سنة 1948، إلى في حجم التّأثر باللّغة العبريّة، وبعض الأسباب التي اختصّ بها فلسطينيّو48. ويورد "العويسات" تخوّفًا للباحث المرحوم "البروفيسور فاروق مواسي" من تولّد لغة عربيّة عبريّة لا يفهمها العربي ولا اليهوديّ، ويسمّيها (العِرْبِيِّة).

من جانب آخر، يعيد الباحث، بالاستناد إلى ابن حزم الأندلسيّ، أنّ السّريانيّة والعربيّة والعبريّة هي لغة مضر وربيعة. وينقل عن "أحمد مختار" قوله: إنّ العربيّة والعبرية نتجتا من أصل واحد، وتفرعتا نتيجة الخروج إلى أماكن مختلفة والاختلاط بلغات أخرى.

ومن الطّريف، ما يورده "العويسات" من أنّ اللّغة العربيّة اقترضت ألْفاظًا دخيلة، من كلّ من: الفارسيّة، واليونانيّة، والسّريانيّة، والتركيّة، والإيطاليّة، والفرنسيّة، واللاتينيّة، ومن لغات أخرى. في حين أنّ العبريّة المعاصرة ما كانت ليتمّ إحياؤها لولا أنّها أخذت المئات من الكلمات من العربيّة، لتعبئة الفراغ الكبير الذي منيت به بسبب إهمالها على مدى قرون طويلة من الزّمن.

ينفي "العويسات" عن المقدسيّين نظريّة ابن خلدون في أنّ "المغلوب مولع بتقليد الغالب، فيتشبّه به لفقدان الثّقة بنفسه، وشعوره بالغلب، وتعظيمًا لقوّة الغالب"؛ لأنّ أهل فلسطين – من البحر إلى النّهر- لم يرضوا بهذا الاحتلال وقاوموه بكلّ السّبل. ويسوق "العويسات"  ثلاثة أسباب لتأثّر المقدسيّين باللّغة العبريّة، هي: 1) عبرنة الاحتلال للجغرافيا الفلسطينيّة، والمواقع والأسماء التّاريخيّة، وأسماء المستعمرات المنتشرة بكثافة باللّغة العبريّة. 2) مخالطتهم (الإجبارية) لليهود في مجالات الحياة اليوميّة كافّة. 3) التّقارب، في الأصل، والتّشابه بين اللّغتين العربيّة والعبريّة، من حيث: الأصوات والاشتقاق، ودلالات الألفاظ، وظواهر لغويّة أخرى، كالتّذكير والتّأنيث واللّواحق والضّمائر.

ويستعرض "العويسات" أكثر الألفاظ العبريّة شيوعًا في لغة أهل القدس، في المجالات: الأمنيّة، والتجاريّة، والعمل، والمواصلات والطّرق، والصّحيّة، والاتّصالات، والمأكولات والمشروبات، والألفاظ العامّة للتّعبير عن المواقف المعنويّة والمشاعريّة، وبعض أسماء المواقع في القدس التي تمّ عبرنتها وإجبار أهل القدس على لفظ أسمائها العبريّة.

فيما يتعلّق بحجم أثر ذلك على أهل القدس، يرى "العويسات" أنّ البعد اللّغويّ (للعربيّة) متحصّن بالكتاب والسّنّة، وحصن الأدب من موروث وحديث. وعلى مستوى البعد النّفسيّ، ينظر الفلسطينيّون إلى العبريّة كلغة عدوّ احتلاليّة غازية. وعلى البعد الحضاريّ، يدرك المقدسيّون ما تقوم به الدّولة العبريّة من تغيير لأسماء المواقع، بهدف محوها من الذّاكرة الحضاريّة ومن التّأريخ الفلسطينيّ.

ولم يغادر "العويسات" هذا البحث قبل أن يشير إلى مخاطر تأثّر لغة أهل القدس باللّغة العبريّة، منها: 1) ازدياد عدد المفردات الدّخيلة على لغتنا، لا سيما من خلال التّسارع التّقنيّ، فتنشأ أجيال تظنّها ألفاظا عربيّة. 2) يُخشى أن يتطوّر الأمر ليصل حد كتابة الكلمات، أو التّراكيب، أو الاشتقاق للأفعال والأسماء. 3) ازدياد الكلمات العبريّة في لغة النّاس ويسر تناولها، والتّعبير بها عن حاجاتهم. 4) خطر نشوء التّشوّه الصّوتيّ المسمّى "اللّكنة" العبريّة في الحديث بالعربيّة. 5) الازدواجيّة في تعليم اللّغة العبريّة لأطفالنا إلى جانب اللّغة العربيّة، وما يتطلّبه الأمر من صعوبة تعلّمهم للّغة العربيّة، وإتّقان مهاراتها الأساسيّة.      

ختامًا،        

لقد أتحفنا الباحث المقدسيّ "محمد موسى العويسات" في هذا الكتاب القيّم، بأبحاثه الثّلاثة. ونحن نسجّل للباحث ما أتحفنا به حول الرّحّالة النّابلسيّ، ونعرب عن غبطتنا بما ورد في البحث المتعلّق بالكاتب الصّديق أ. محمود شقير، صاحب الصّولات والجولات في القدس؛ مكانًا للفرح والسّرور، وحضنًا دافئًا لتوالد الأفكار وتفجّر الطّاقات الإبداعيّة. فقد تمّ التّركيز على البحث الثالث منها المتعلّق بأثر اللّغة العبريّة في لغة المقدسيّين ولهجتهم (لكنتهم)، وفي تعلّم الأطفال للّغة العربيّة. وذلك للأهمّيّة القصوى لهذا الموضوع، الذي يندر التّطرّق له من قبل الباحثين. وحريّ القول بأنّ الباحث اتّبع المنهجيّة العلميّة في التّعامل مع موضوع العلاقة بين اللّغتين العربيّة والعبريّة، دون أن يغفل الإشارة إلى اللّغة العبريّة كلغة دخيلة، من خلال اعتمادها على اللّغة العربيّة، وقليل من الاعتماد على اللّغات الأخرى.

كما تبيّن للباحث "العويسات" أنّ اللّغة العبريّة، وإن كانت تشكّل خطرًا حقيقيًّا، لا يمكنها أن تجرف أهل القدس في تيارها الذي يداهم تفاصيل حياتهم كافّة، وذلك لتوفّر عوامل الصّمود والمقاومة؛ لوجود القرآن بين أيديهم الذي يحفظ للّغتهم مكانها ومكانتها، وللمدارس والجامعات العربية التي تحتضن أطفالهم، ولإيمانهم المطلق بأنّ العبرية هي أمر طارئ، يزول بزوال الاحتلال، ولا يمكنها التّفوّق على لغتهم (العربيّة) المتجذّرة فيهم لعمق يعود لنحو (1500) عام، بلا انقطاع، والتي هي لغة الآباء والأجداد ولغة الحضارة المتراكمة في مدينتهم.       

فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 09 تموز، 2021

إرسال تعليق Blogger

 
Top