0

 الدكتور هشام توفيق في كتابه "الاستراتيجية الصهيونية والتطبيع الجديد":

يقدّم له "جاكوب كوهين".. يوظّف مصطلح "الاستكبار العالمي".. ويناقش صفقة القرن باستفاضة!  

بقلم: عزيز العصا

معهد القدس للدراسات والأبحاث/ جامعة القدس

aziz.alassa@yahoo.com

http://alassaaziz.blogspot.com/


"د. هشام توفيق"
؛ أكاديمي وكاتب مغربي، عرفتُه صديقًا من خلال مواقفه من القضية الفلسطينية، وأنشطته المختلفة دفاعًا عن حق الشعب الفلسطيني في العيش الكريم على أرضه. وأما الإنجاز الذي نحن بصدده لـ "توفيق" فهو كتابه "الاستراتيجية الصهيونية والتطبيع الجديد"، الصادر عن "أفريقيا الشرق" في الدار البيضاء بالمغرب.

يقع الكتاب في (365) صفحة من القطع الكبير، يتوزع عليها: تقديم الدكتور محسن صالح مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت، وتقديم البروفسور جاكوب كوهين باللغتين: العربية والفرنسية، ومقدمة المؤلف. وأما المحتوى فيتألف من (12) فصلًا، تتضمن (31) محورًا تتوزّع على (92) مبحثًا. ويلاحظ من هذا العدد الكبير من المباحث أننا أمام كاتب غزير الإنتاج حول العنوان الرئيس للكتاب قيد النقاش.  

لقد تمتع الكتاب بسيمياء العنوان والغلاف بشكل جاذب؛ الدواليب والمسننات والدوائر والمثلثات؛ وكأننا أمام الشارات التي "تهندس" العالم وعيد صياغته، في كل مرّة بما يخدم الاستراتيجية الصهيونية، التي تسعى إلى التجديد الدائم للأنظمة والحكومات والمنظمات والمؤسسات التي تضمن استمرار "إسرائيل" حية وحيوية في المنطقة.

أما المحتوى، فيستهلّ بتقديمين عميقين من عالميْن خبيريّن في الصراع الدائر على أرض. ولكل منهما رؤاه في هذا الصراع. فالدكتور محسن صالح يرى بأن "المشروع الصهيوني اتخذ شكلا عالميا وربط نفسه بالاستعمار والاستكبار العالمي، بحيث أصبح بمثابة قلعة متقدمة للعالم الغربي، ويمثل ذروة الخطر الاستعماري الغربي-الصهيوني في قلب العالم الإسلامي"؛ أي أن خطر هذا المشروع يتعدى فلسطين، ليشمل "العالم الإسلامي" وفق صالح الذي يرى بأن ها المشروع قد "فشل في التحول إلى كيان طبيعي في المنطقة"، وآخر أشكال الفشل إجهاض كل من: "صفقة القرن" و"فرض برامج التطبيع على الأمة" (الكتاب، ص: 7-9). ويغوص البروفيسور جاكوب كوهين في تفاصيل المشروع الصهيوني في المنطقة، من مختلف الجوانب، منها (الكتاب، ص: 10-25):

1)    معاناة العالم العربي من الصهيونية وتوغلها في فلسطين والشرق الأوسط، كـ "عدوّ حامل للواء الغرب". ويتجلى ذلك في المجتمعات العربية المحرومة من امتياز الاختيار الديمقراطي للحكومات التي تمثلها.

2)    لم يخرج الشعب الفلسطيني من معادلة الصراع، وإنما جاءت الانتفاضة لتظهر إسرائيل على حقيقتها، بأنها دولة عدوانية. ثم تأتي اتفاقية أوسلو، التي كانت عملية تلاعب وخداع صهيونيين، أنقذت إسرائيل وجعلتها لاعب دولى ليس على مستوى أوروبا وأمريكا فقط، بل مع الصين والهند أيضًا. وأخيرًا، جاءت "صفقة القرن" مثل "قصف الرعد في سماء صافية؛ بينما "كنا منذ ثلاثة عقود نتجه، بلا هودة، نحو توازن للقوى المتصارعة على في المنطقة.

3)    ويفند جاكوب واقع "المجتمع الإسرائيلي"، الذي لا يبقي عليه أو يحركه إلا الحرب، أو حالة التوتر الدائم ما يسمح للدولة الاحتفاظ بهويتها اليهودية. مما دفع الصهاينة إلى إعادة بناء "غيتو عرقي ضخم حاصروا فيه أنفسهم"، والمجتمع داخل هذا الغيتو عبارة عن "برميل بارود"، وهو مجتمع عنيف بسبب الخدمة العسكرية لكل أفراده، التي يمارس خلالها كل أنواع العنف من: مراقبة، وإذلال وسرقة، في جو من الغطرسة والإفلات من العقاب. ونتيجة لذلك، انعكس كل هذا العنف في مجتمعهم على علاقاتهم الاسرية والزوجية والمهنية. أنها "الغابة" (هي الكلمة التي تردد في أفواههم). إنه مجتمع مكون من فسيفساء من المجتمعات من أصول وأعراق متنوعة وأيديولوجيات مختلفة. إنه مجمع قائم على "الإنكار والإسكات" الذي يضايق الأكاديميين الإسرائيليين الذين لديهم أفكار سلمية حتى يتم إسكاتهم أو استبعادهم.

من جانبه، خرج الكاتب، على مدى سنوات من الكتابة والمتابعة، بهذا السّفر بفصوله الاثنتي عشرة. ففي الفصل الأول يستعرض الاستكبار العالمي، والمستضعفون والمواجهة بين الأمة والصهيونية وفق السياق التاريخي. وقد استند إلى مفهوم "الاستكبار/الاستضعاف"، الذي يتردد كثيرًا في هذا الكتاب كمصطلح سياسي، إلى ما ورد بشأنها في القرآن الكريم. وهو بذلك قد ضمن سلامة الأصل اللغوي للمصطلح، ثم قام بتطويعه في سياق سياسي، إلى جانب مصطلحات: الاستعمار، والاحتلال، والهيمنة، والصراع... الخ. وفي وصفه لصراع الأمة مع "الاستكبار العالمي"، يتتبع أول خمس آيات من سورة الإسراء، ليتوصل إلى مرحلة "صفقة القرن"، مرورًا باتفاقية سايكس بيكو، وبما أطلق عليه "استراتيجية  التطبيع التمددية"، والتكثيف العربي في التطبيع، والتواصل العربي الصهيوني الغربي، بغرض الإجهاز على الأمة وإقلياتها وعلمائها ومقدساتها (الكتاب، ص: 53-59).

بالاستناد إلى الأساس النظري في الفصل الأول، نجد أن الباحث "هشام توفيق" ينطلق في الفصل الثاني في وصف ممارسات وأفعال القوى المستكبرة، والتي يراها تتكثف في الغرب والصهيونية، ودورها في الإجهاز على الشعوب والثورات الشعبية، من خلال التطبيع وثورات ما أطلق عليه الأمريكان "الربيع العربي". ولكنه يرى بأنها "أمة أخرجت للناس، وما زال خروجها يؤتي أكله كل حين، ببركة الأمة وبيت مقدسها ومسجدها الأقصى" (الكتاب، ص: 80).

ويدخل "توفيق" في الفصلين الثالث والرابع أتون السياسة الدولية، مدافعًا عن قطر وتركيا، باعتبارهما (من وجهة نظره) أصحاب شوكة لصالح القضية الفلسطينية، ويتناول ما أسماه "الإجهاز على الحركات الإسلامية"، مستشهدًا بحركة حماس في فلسطين، وعدد من العلماء على مستوى العالم الإسلامي (الكتاب، ص: 123-125). ويخصص الفصل الخامس للحرب على المنظمات الدولية؛ مستشهدًا بمنظمتي "اليونسكو" و"الإسكوا"، وقد ربط بين "قطر واليونسكو"، بصيغة صحفية، موردًا الأسباب التي أغضبت الصهاينة، والتي تتعلق بإسلامية حائط البراق والمسجد الأقصى المبارك وباب المغاربة... وغير ذلك من القرارات (الكتاب، ص: 133-138). ثم يشير "توفيق" إلى هدم حارة المغاربة سنة 1967م ومحوه عن الوجود (الكتاب، ص: 145). كما يتطرق إلى ما تعرضت له "الإسكوا" (لجنة إقليمية تابعة للأمم المتحدة، تعمل تحت إشراف المجلس الاقتصادي والاجتماعي)، بسبب تقرير لها يصف الاحتلال بأنه نظام عنصري (الكتاب، ص: 147، 155-158).

وتحتل "صفقة القرن" مكانها في الفصول السادس-الثاني عشر. إذ يتناول الكاتب "توفيق" نظرة "صفقة القرن" وتعاملها مع العلماء والنشطاء، مثل: رائد صلاح، وريما خلف، واغتيال العالم فادي البطش (الكتاب، ص: 162-186)، واستهداف الأقليات المسلمة في مخلف أنحاء العالم (كالهند وروسيا)ن ويقابله الترويج للأهداف الصهيونية في تلك المناطق، علمًا بأن تلك الأقليات تعاني من الشتات وغياب الحاضنة (الكتاب، ص: 190-214). كما يتتبع "توفيق" التطبيع كـ "بوابة لصفقة القرن"، في محوريْن: 1) التطبيع خطة وقواعد، كعقيدة واستراتيجية يرى فيه خطورة أكبر من الاحتلال؛ لأنه يهدف إلى اختراق صفوف النخب والأحزاب والكوادر والقصور، لبناء كيانات مستقبلية تابعة، تفتت البلد وتضعفه وتقسمه قطعا عرقية وطائفية..  2) الهزائم في القمم والقبب: ويتطرق إلى القمة اللإفرايقة-الإسرائيلية، والقمة الأمريكية-الإسلامية، ويتعمق أكثر فيما يتعلق ببلده المغرب. وأما حرب القبب، كانسحاب الولايات المتحدة من قبة اليونسكو، ومن مجلس حقوق الإنسان، وطرد "إسرائيل من عدة بلديات إيطالية وإسبانية.

ويستمر توفيق في تتبع صفقة القرن، من حيث: السياق التاريخي، وخيوطها كمؤامرة تمتد من تصريح بلفور إلى قرار ترمب، وقواعد التمهيد والتعبيد وصولًا إلى تنفيذها على الأرض. ويخصص الفصل العاشر لمناقشة الرهانات على إفشالها من خلال الاصطفاف الدولي والفلسطيني والعربي والإسلامي. وينتهي بأن يستبشر خيرًا بالمستقبل القريب؛ إذ يستكمل في الفصل الحادي عشر مراهنًا على: المسيرات، والمقاومة، وإرادة غزة، والقدس (صمودها)، مستشهدًا بالأحداث المختلفة التي جرات على أرض فلسطين خلال السنوات الماضية. ويختم "هشام توفيق" كتابه هذا بتخصيص الفصل الثاني عشر بنظرة استراتيجية تفيد بأن "التطبيع الكامل استراتيجية اختراق وتدمير للشعوب". إلا أنه لم يغادرنا قبل "استرجاع الأنفاس" واستعراض تحركات مربعات الأمة؛ كالرباط، والمقاومة، والأقليات في الهند والصين وبورما، ويدعو إلى استنهاض عوامل صمود الأمة ومعالم انتصارها، متفائلًا بالقوى الحية في الأمة.

ختامًا،

لا شك في أن الحديث عن الشرق الأوسط وقضاياه، بخاصة القضية الفلسطينية وما يتعلق بالصراع الصهيوني-العربي، يعني وضع اليد في "عش الدبابير"؛ وذلك للمساحة الواسعة من التعقيدات والتناقضات والتجاذبات التي تسيّر العلاقات بين دول المنطقة، ومنظماتها، وأحزابها، وعلمائها ومفكريها...

وأما بشأن الكتاب قيد النقاش، فقد تمكن الكاتب من توظيف "الاستكبار" كتعبير عن علوّ الصهيوية والغرب في تعاملهم مع العرب، ومع دول الشرق الأوسط بشكل عام، وحشد لتعزيز وجهة نظره العديد من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة ذات الصلة. كما ناقش، بعمق، قضية "صفقة القرن" كأخطر "خنجر" في جسد الأمة بشكل عام وجسد الحق الفلسطيني على وجه الخصوص. كما حرص على أن يحشد أكبر قدر من الشواهد على هذا الاستكبار، الذي وصل لحد معاقبة المنظمات الدولية التي تقول كلمة حق لصالح الأمة، في أي جانب كان. وفي جميع المراحل، لم يغفل الكاتب "هشام توفيق" عناصر القوة والصمود الكامنة في الأمة، والضامنة لتحقيق الانتصار واستعادة الحقوق في النهاية.    

فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 06 تموز، 2021

إرسال تعليق Blogger

 
Top