0

 

في الذكرى الخمسين لوفاته...

قاضي القدس الشرعي الشيخ سعيد صبري

حاضرٌ بما ترك لنا وترك فينا!

أ. عزيز العصا

مسؤول اللجنة الثقافية في

الهيئة الإسلامية العليا بالقدس

aziz.alassa@yahoo.com

http://alassaaziz.blogspot.com/

ولد الشيخ سعيد عبد الله صبري في قلقيلية في العام 1910. نشأ وترعرع في جو ديني وعائلة متوسطة المعيشة. وجد والده الشيخ عبد الله فيه أنه خير خلفٍ له في طلب العلم الشرعي؛ فأرسله إلى الأزهر الشريف، بعد أن أتم المرحلة الابتدائية. فكان في مصر مثالا للطالب المجد في دروسه، النزيه في مسلكه، والإنساني في معاملته مع زملائه. تخرج من الأزهر عام 1928، وقد تخصص في علم الميراث، فعاد إلى بلدته "قلقيلية" (وهي في ظل الانتداب البريطاني)، فأمضى مدة تزيد عن السنتين بدون عمل. وبدأ حياته العملية مأذونا شرعيا في طولكرم عام 1931، وتنقّل في عدة مناصب في فلسطين والأردن، قبل النكبة وبعدها.

وتعود صلته بالقدس إلى عام 1957م، حيث كان قاضيًا شرعيًّا، وفي عام 1961م عُيِّن عضوا في محكمة الاستئناف الشرعية وعضوا في مجلس الأوقاف والشؤون الإسلامية، فخطيبا للمسجد الأقصى المبارك عام 1962م، وكان من مؤسسي الهيئة الإسلامية العليا منذ 24/7/1967، وفي عام 1969م عُيِّن عضوا في اللجنة التنفيذية لإعمار المسجد الأقصى المبارك– على اثر حرقه على أيدي العصابات الصهيونية في 21/8/1969، وبقي في هذه المناصب إلى أن لبى نداء ربه الساعة 6:45 من صبيحة يوم الإثنين 19/3/1973، في بيته الكائن بحي وادي الجوز بالقدس.


هذا هو شيخنا الجليل "سعيد صبري" الذي رفع صوته عاليًا في وجه الظلم والطغيان، ووجّه العباد لعبادة الله سبحانه، فقد كان خطيبًا مفوّهًا يعد خطبه بعناية، ويختار محتواها بما يجعلها تترك أثرًا عميقًا في نفس مستمعيها، فتغرس فيهم الإيمان، وتبث فيهم الأمل، وتمحو منهم الإحباط والملل. ولم يدع فرصة إلا وذكّر مستمعيه بأن هذا الاحتلال طارئ؛ سرعان ما يزول عندما تتوحد الصفوف وتستعيد الأمة عافيتها، فنحن أصحاب حقٍّ في العيش على أرضنا، حياة حرّة كريمة.

إنه "الشيخ سعيد صبري" الذي نشر العدل، قدر ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فقد كان قاضيًا عادلًا؛ لا يخشى في قول الحق، والصدح به، أحدًا غير مرضاة الخالق سبحانه. كان يقول كلمته الفصل في القضايا الشرعية، مستندًا إلى كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلّم.

هو نفسه الذي لم يدع لحظة من عمره تمر دون أن يكرّسها في خدمة شعبه وأمته، فقد أبدع في تفكيره باتجاه تطوير استثمار الأوقاف الإسلامية، عندما حصر الموجودات والممتلكات والعقارات الخاصة بها، ثم أخذ يعيد صياغتها بما يحقق العديد من الاحتياجات، في آنٍ معًا، فقد عَمَر الأرض لتدر من خيراتها، وأنشأ العقارات التي تم استثمارها لصالح المؤسسات العامة والخاصة والمكاتب والعيادات الطبية... الخ. ولعل في شارع صلاح الدين بالقدس والعمارات الرابضة على جانبيه خير مثال على قولنا هذا. وقد حقق ذلك في أكثر من مكان من المواقع التي عمل فيها.

وهو نفسه الذي قاد عملية تدقيق السجلات الخاصة بالمواريث والوقفيات التي كانت، زمن العثمانيين، في حالة من الفوضى العارمة؛ فاستغل ذلك الإنجليز ليعبثوا فيها ويسرقوا ما يستطيعون تحت جنح ظلمات عدم التوثيق، والجهل والتخلف الذي كان السمة العامة للمؤسسات الوقفية.

إنه "الشيخ سعيد صبري" الذي ترك لنا وترك فينا؛ عندما أسهم في إنشاء و/أو تطوير العديد من الجمعيات والمعاهد الإسلامية ودور القرآن الكريم والحديث الشريف، في أرجاء الوطن، إلى جانب إسهامه في إنشاء الهيئة الإسلامية العليا بالقدس؛ لتقوم بالإشراف على شئون المسلمين وأماكن عبادتهم ومحاكمهم وأوقافهم. كما أنه لم يبخل على المسلمين في جعلهم "أمة واحدة"، وجمعهم حول دستورهم الإلهي (القرآن الكريم)!([1])

فلسطين، بيت لحم، العبيديّة، 20/03/2023م



[1] المصدر الرئيس لهذا المقال: العصا، عزيز، والخطيب، عماد (2018) مقدسيون صنعوا تاريخًا. اللجنة الوطنية للقدس عاصمة دائمة للثقافة العربية. البيرة. فلسطين. ص: 141-159.

إرسال تعليق Blogger

 
Top