0

نشر في القدس المقدسية، الأحد، 19/04/2015م، ص: 20
عزيز العصا
كان المرحوم "أنور الخطيب" (1917-1993) شاهدًا على أجواء الصخب السياسي والاجتماعي والفكري والعقائدي الذي مرّت به القدس خلال ثلاثة أرباع القرن العشرين. وإذا اتسمت القدس بأنها مسرح الأحداث دوماً، فإن من يقودها يكون في عين عاصفتها المتعددة الأشكال والمستويات. ويستمر ذلك حتى بعد مغادرته مناصبه ووفاته.
لقد قام "الخطيب"، في العام 1989، بنشر كتابه "مع صلاح الدين في القدس- تأملات وذكريات"، يضم (26) عنواناً، لكل عنوان منها خصائص (المغراف) القادر على الإتيان بمعلومات وحقائق، قلما تجدها في غيره من المراجع. ويبرر اختياره لعنوان "مع صلاح الدين في القدس"، بأن القدس في محنتها وهي تعاني التهويد، لا تجد خلاصاً، إلا بقائد كصلاح الدين الذي يحطم قيودها، ويحررها ومسجدها ويعيدها إلى حظيرة الإسلام".
لقد قمت بقراءة هذا الكتاب، فوجدته يتكئ على مجموعة من المرتكزات، التي تشكل، في مجموعها، الهيكل الأساس لحال فلسطين بشكل عام، وحال القدس بشكل خاص، خلال الفترة التي عايشها وعاشها المؤلف. ومن هذه المرتكزات:
1)   يوثق للنكبة؛ التي انتهى أمرها بتشريد الفلسطينيين وسيطرة اليهود على نحو (78%) من أرض فلسطين، ويوثق للنكسة في العام 1967؛ عندما دخلت الدول العربية دخلت في حرب الـ67 مع إسرائيل وهي في ذروة التمزق والخلافات والحروب الإذاعية، فيما بينها، ودون توفير الحد الأدنى من عوامل الصمود والمواجهة.
2)  يوثق لأبرز الأحداث الواقعة بين النكبة والنكسة وما بعدهما؛ بما يجعل القارئ على علم ودراية بما جرى في الحقبة الممتدة بين العام 1948 حتى العام 1989. كما استعرض حرب الـ(56)؛ عندما اعتدت فرنسا وبريطانيا وإسرائيل على مصر، والتي كان رأيه الشخصي أن لا تدخلها الأردن إلى جانب مصر، وذلك بهدف تخفيف العبء عن مصر التي ستضطر إلى تشتيت جهودها في الدفاع عن الأردن الضعيف أمام إسرائيل، وفي النهاية جاء الموقف المصري الملتقي مع رأي الخطيب؛ والقاضي بعدم دخول الأردن الحرب.
3)  الشخصيات ذات الصلة: حيث استعرض شخصية جمال عبد الناصر والكاريزما الخاصة به، التي رأى فيها "الخطيب" أنه رجل تاريخ. أما بشأن الملك عبد الله بن الحسين، فقد أبرز "أنور الخطيب" تحديه لحليفته بريطانيا عندما أدخل جيشه لإنقاذ شرقي القدس في العام 1948. وأما بشأن "أنو السادات"، فقد ذكّرنا بأن جمال عبد الناصر  كان يطلق عليه "مستر أمرك يا ريّس"؛ من كثرة نفاقه للريّس وعدم اعتراضه على أي شيء. وفي النهاية، يقوم السادات بزيارة إسرائيل، وهو واثق في كارتر، صاحب مقولة: "إنني أفضل أن انتحر سياسياً على أن أقوم بأي عمل يسيء إلى إسرائيل".
4)   سقوطا القدس: فقد شهدت النكبة في العام 1948 على طرد العرب من غربي القدس التي يملكون (80%) من عقاراتها، إلى شرقي القدس التي كان يملك اليهود فيها (0,6%) فقط. أما في حرب حزيران، وما إن تمكن الاحتلال من دخول القدس إلا وشرع في إطلاق أيدي المحتلين لمدة (3) أيام؛ تم فيها السلب والنهب للبيوت والدكاكين والسيارات، وتجريف العمارات والأماكن الأثرية، وذلك على يد وزارة الأديان التي أسكنت المهووسين اليهودي في الأماكن التي كانت دور علم للمسلمين. ثم بدأت قصة تهويد المدينة من خلال مرسوم مجلس الوزارة الإسرائيلي بتاريخ 28/06/1967؛ الذي نهب أراضي المقدسيين لصالح المشروع الاستيطاني.
الخاتمة
إن في قراءة هذا الكتاب غوص في بحور كاتب خبر الحياة وجاسها، في الميادين السياسية والعسكرية والأمنية، وتنقل في المناصب الحساسة من موقع إلى آخر، واحتل الصدارة في العديد من الأحداث؛ عندما كان يدلي بدلوه في كل شأن من شئون الوطن بشكل عام، والقدس بشكل خاص. فقد مثّل المملكة الأردنية الهاشمية ونظامها الهاشمي في حكم القدس وتنفيذ الأنظمة والقوانين الساعية إلى إخضاع المدينة (أرضًا وشعبًا)، كباقي أجزاء المملكة، للمنظومة السياسية التي تقود المملكة. كما أنه، بحكم مواقعه الوظيفية المختلفة، كان على اتصال مباشر مع العديد من الزعماء العرب والأجانب؛ يستمع إليهم ويستمعون إليه، عبر حوارات ثنائية خاصة.
الأمر الذي يعني عدم جواز الإبقاء على مذكرات هؤلاء القادة، الذين قد نختلف معهم وقد نتفق، لما فيها من مخزونات معلوماتية وبيانات وبينات نحن بأمسّ الحاجة إليها؛ لكي تساعدنا في فهم ما جرى سابقًا، لأن في ذلك ما ينبئ بما سيجري لاحقًا، فما ضاع من الوطن في غفلة من الفرقة والتشرذم، سوف يلتهم ما تبقى منه ونحن نعيش أجواء المزيد من تقسيم المقسّم وتفتيت المفتت.
فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 06 نيسان، 2015م


إرسال تعليق Blogger

 
Top