0
منى ظاهر في "الأرجوحة-13":
قصص متميّزة مخلصة لفنّ القصّة القصيرة
نشر في صحيفة القدس المقدسية، بتاريخ: 24/07/2015م، ص: 18
                                                         قراءة: عزيز العصا
منى ظاهر؛ كاتبة، شاعرة، قاصّة، باحثة فلسطينيّة الأصل والفصل والمشاعر والشّعور. وفي كلّ ذلك تحمل هموم الوطن وقضاياه المصيريّة، كما تحمل هموم المرأة وآلامها وأحزانها وأفراحها. لم تكن يومًا باكية أو نادبة حظّ، وإنّما تشخّص الواقع، دون أن تكتفي بطرق أبوابه، بل تقتحم تلك الأبواب لتتفحّصه وتتأمّل فيه بدقّة الباحثين السّاعين إلى القبض على الحقيقة، كما هي، دون مواربة أو تجميل، وتضع النّقاط على حروفه، ثمّ تعالجه بحنكة المجرّبين ورجاحة عقل الحكماء.

جريئة في كلّ ما تطرح، لا تتوارى خلف العبارات والمصطلحات، وإنّما تطرحها وفق متطلّبات الموقف واحتياجاته، دون خوف أو وجل. ووفق هذه الاستراتيجيّات الكتابيّة صدر للكاتبة مجموعات شعريّة، ونصوص أدبيّة مفتوحة ورافضة للتّجنيس، كما صدر لها دراستان ومقالات علميّة، بالإضافة إلى رسالة الماجستير المتخصّصة في الأدب النّسائيّ.
أمّا العمل الأدبيّ الّذي نحن بصدده فهو مجموعتها القصصيّة، بعنوان: "الأرجوحة 13"، الّتي تضمّ ثلاث عشرة قصّة تتوزّع على (99) صفحة من القطع المتوسّط، إصدار "دار العين للنّشر" في العام 2015.
لا شكّ في أنّ "الأرجوحة" بالمعنى الاصطلاحيّ معروفة للجميع، كونها مرتبطة باللّعب والمرح والمتعة. أمّا بشأن استخدامها كعنوان، فقد تبيّن من البحث أنّها استخدمت كعنوان لأكثر من عمل أدبيّ، على مستوى الوطن العربيّ، فهي عنوان لرواية لـ "محمّد الماغوط" في العام 1991، ولرواية السّعودية "بدرية البشر" في العام 2010. أمّا العدد (13) فيطول الشّرح عنه في تاريخ علوم الاجتماع، فهناك من يتفاءل به، وهناك من يتشاءم منه. وقد دخل، هو كذلك، في أعمال أدبيّة مختلفة، ففي العام (1968) أصدر فتحي سلامة (مصر) روايته "الجرّار رقم 13"، وفي العام 1975 صدرت رواية "القضية رقم 13" للفلسطينيّين: فرحات رجا فرحات ومجيد حسيسي.
وعليه؛ فإنّ كاتبتنا تكُون قد اصطفّت إلى جانب رواة وكتّاب تاريخيّين في استخدام هذا العنوان، بما يعنيه من رمزيّة الفرح واللّعب والثّورة على الملل والرّوتين. وفي مقابلة معها في راديو "المنارة" أشارت الكاتبة "منى ظاهر" إلى أنّه في هذه الأرجوحة "إغواء" لكي نصعد إليها، أو لكي نلعب فيها وبها ومعها[1]. أمّا الرّقم (13)، فلعلّه يشير إلى عدد القصص الّتي تضمّها هذه المجموعة القصصيّة، كما أنّ العدد (خمسة) تكرّر كذلك في قصّتين من هذه المجموعة القصصيّة، وأمّا المعنى والمقصد فيبقيان في "بطن الشّاعر" كما يقولون[2].
وكما يقول "إبراهيم الحجري" فإنّ الكاتبة "منى ظاهر" قد رفدت هذا النّوع القصصيّ بقوالب جديدة في كتابها هذا، إذ تخرج به من نمطيّته وتحرّره من القيود الصّارمة للميثاق الأجناسي، فقد اعتمدت عدّة صيغ خطابيّة منها تفتيت النّصّ القصصيّ إلى فقرات ومقاطع معنونة تارة، وغير معنونة تارات أخرى، مرتبطة فيما بينها حينا، ومنفصلة أحيانا أخرى[3]. ومن المهمّ التّأكيد أنّ قصص "الأرجوحة 13" تعتمد على مواصفات الفنّ القصصيّ الخالص. مع الإشارة إلى أنّ الكاتبة النّاهلة من التّجريب الإبداعيّ، كانت حذقة في كتابة مجموعتها هذه، لأنّ عددًا من قصصها جاء مفتوحًا على الحقول الأخرى من الفنون، وعلى أساليب لغويّة متنوّعة كاللّغة الشّعرية، إضافة إلى توظيف لغويّ مغاير في قصص أخرى مثل: "سودوكو" و"رسّام الغِرْبان وعازفة الكَمَان".
   وعند القراءة الدّقيقة لتلك المجموعة القصصيّة، تجد نفسك أمام نصوص مفتوحة على أكثر من احتمال فيما يرتبط بالزّمكانيّة. فلا يوجد للنّصوص، سواء منفردة أو مجتمعة، بنية زمانيّة و/أو مكانية محدّدة، سوى الإشارة إلى اللّيل والنّهار وشروق الشّمس وغروبها في عدد منها. أمّا بالنّسبة للمكان، فلم نلمح بين السّطور ما يشير إلى جغرافيا محدّدة تشكّل مسرح الأحداث، سوى في بعضها مثل: الهضبة والبحيرة. كما تمّ توظيف الإنجازات الحضاريّة البشريّة على الأرض، كالمنزل والمعبد والموسيقى والسّيّارة... إلخ.
ضمن الثّنائيّة تدور أحداث القصص، ففيها الصّراع القائم بين الخير والشّرّ، بين الرّجل والمرأة، بين الإنسان والطّبيعة. ولعلّ أبرز الملامح الّتي امتازت بها هذه المجموعة القصصيّة تتمثل فيما يلي:
أولًا: النّصوص غنيّة ببعدها الإنسانيّ، ويتجلّى فيها حضور المرأة وعوالمها:
-       اشتركت "الأرجوحة 13" ، ما عدا قصّة "لعنة بيضاء"، في أنّ المرأة هي البطل الرّئيس أو من الشّخصيّات المركزيّة والفاعلة في سير الأحداث. وقد احتفت الكاتبة بالجسد الأنثوي بوصفه هويّة مميّزة للمرأة, فوصفت جماليّاته ورغباته، حتّى أصبح المركز الفاعل في فضاء السّرد, والّذي تنجذب إليه سائر عناصر السّرد، وتجلّى ذلك في قصّة "هذيان الغرفة 113" الّتي وصفت ما قامت به النّساء الخمس، وهنّ بعدد أصابع الكفّ الواحد، في الهضبة والبحيرة والمعبد والنّافذة والغرفة، عندما "رسمن بيوتًا صخريّة وطلينها بألوان فاقعة وصارخة صارت تسلب من الهضبة استكانتها"؛ أي أنّ لهؤلاء النّسوة دور هامّ في التّأثير على المكان وتغيير ملامحه، بالرّغم من أنّهنّ لا يمتلكن سوى الرّيشة والألوان، وفي ذلك رمزيّة إلى أنّ أدوات التّغيير لا تقتصر على الآلة والعنف والتّشويه، بل يمكننا إحداثه بأبسط الأدوات وأكثرها رقّة وجمالًا.
ثمّ توجز "منى ظاهر" علاقة الأنثى-الجسد بالطّبيعة، بقولها: "انصعقت الغيمة وارتجّت بفعل أشعّة تنقضّ عليها بخطوط مستقيمة ضوئيّة متسارعة خارجة من كلّ جسد من أجساد النّساء الخمس". أمّا "هذيان" فهي تلك الكلمة الّتي ردّدتها النّسوة الخمس، معًا، بعد أن كتبت كلّ واحدة منهنّ حرفًا فيها.
وفي قصّة "عن اللّعب وأشياء أخرى" الّتي تكرّر فيها الإشارة إلى الجسد، في أوضاع مختلفة، مثل: السّاكن، المتكوّر، المتّكئ على الحائط... إلخ. وقد تمّ توظيفه للّعب ولأشياء أخرى، في أجواء تتلاحق فيها "جنون الكيمياء". وفي قصّة "رسمة الغراب" يظهر "الجسد الأنيق" الّذي يتحسسه صاحب الغراب بأطراف أصابعه" (ص: 39).
-       حاولت الكاتبة طرح رؤية تجعل من خلالها للمرأة حضورًا متميّزًا، قادرًا على الظّهور والتّفاهل بشكلٍ شريك للرّجل أو بشكل يعكس دور المرأة الفاعلة والمعتمدة على قدراتها وحدها. ففي قصّة "هذيان الغرفة 113" نجد أنّ من يدير المكان ويدافع عنه ويمنحه الجمال الكافي هنّ "النّساء الخمس، وقد ولدتهنّ امرأة واحدة، كانت قد تزوّجت من رجل غريب الأطوار قبل سنوات عجاف". بذلك؛ قامت "منى ظاهر" بالتّركيز أيضًا على العوالم النّسائيّة المنسيّة، والّتي فيها تعمل النّساء معًا، ويشكّلن طاقة واحدة "التمعت في عيونهنّ نظراتُ شبق، على أساسها داعبت كلّ واحدة منهنّ جسدها العاري ولقّحته بالماء، ثمّ غطست الواحدة تلو الأخرى إلى عمق المياه الباردة " (ص: 11).
وفي قصّة "تماسيح المنطقة الاستوائيّة" ينتهي أمر السّيطرة على المكان "بوحشته" لـ "الجنّيّة زوجة التّاجر الآدمي"، الّتي تسعى إلى إدارة المكان بعد إفراغه من قاطنيه (ذكورًا وإناثًا).
ثانيًا: العلاقة بين المرأة والرجل: تتراوح بين التّكامل والتّعاون
في قصصٍ من المجموعة نجد التّكامليّة في العلاقة بين المرأة والرّجل في مواجهة قسوة الطّبيعة، وفي مواجهة الظّلم الخارجيّ. ففي "رقصة الجهات الأربع" "يضحَى الرّجل والمرأة نقطة لمّاعة تتكوّر وتتّسع في هذا الوجود بمركّباته؛ من هواء ونار وماء وتراب".
كما أنّهما يتعاونان في التّغلّب على الظّلمة والقهر، ففي قصّة "عن اللّعب وأشياء أخرى" نجد أنّ الموسيقى تبدّد العتمة وتتغلّب عليها، حتّى أنّ "فعلها كفعل دغدغة العشب المبلّل للقدمين الحافيتين"، وشهدت هذه القصّة التحامًا بين الرّجل والمرأة، وأنفاسهما تتلاحق بجنون كيميائهما. ويجري هذا كلّه في أجواء من الحنان والرقّة الّتي يضفيها (الرجل)، عندما لا يطلق العنان لرغباته وأنانيّته، فيسألها: "هل تريدين أكثر من لهونا هذا؟"، لينتهي الأمر بأن "تنام إلى جانبه ولا يصحوان إلّا في سرْمد على لحن "أنت وأنا".
وفي قصّة "رسمة الغراب" أدّت التمتمة للمرأة وصاحب الغراب (رجل) إلى قعر الغياب (ص: 41). وفي قصّة "مواعيد لاحتراق البسكويت" نلمح عمق تلك العلاقة عندما "تنظر إلى عينيه، تبتسمُ. وتخبره أنّها تحاول. تلعق شفتيه وتحسّ، كما لو أنّها تستطعم حقًّا ذرّات عالقة من البسكويت" (ص: 45).
كما تجلّت ثنائيّة الرّجل-المرأة في مواجهة الحرب الشّرّيرة والقتل والدّمار، في قصّة "رسّام الغِرْبان وعازفة الكَمَان" عندما  "أتى الرّسام من قريته الشّماليّة، وحلّت عازفة الكمان من قريتها الجنوبيّة، إذ لم تتوقّف الحرب الوحشية (...) فأخذ الرّجل يرسم على حيطان المدينة المهدّمة والأنقاض غِرْبانه الأثيرة. والمرأة كانت تعزف للأطفال والأرامل والمنكوبين كما لو يعوي في كمانِها ألف ذئب" (ص: 83) .
ثالثًا: الوطن حاضر بقوّة:
كما نعهدها في نصوصها المختلفة، فإنّ "منى ظاهر" لم تغفل عن الوطن وهمومه وقضاياه، سواء عندما استخدمت الأدوات الرّمزيّة أو بشكل مباشر. فنلاحظ في قصّة "فساتين سوداء" الّتي ينفتح فستانها الخامس على غابات شهوة، ذكر لمعالم فلسطين وطبيعتها: "في عينيها أعراس الجليل، وفي شعرها رائحة الزّيتون، وفي وجهها يرى زوجها أراضي البطّوف والنّاصرة وطبريّا وعرب الشّبلي".
وفي قصّة "لعنة بيضاء" تصف الكاتبة تبدّل قاطني الأرض؛ من أهلها الأصليّين البسطاء العاملين على إعمارها بجماليّة رائعة، بمن احتلها، من ذوي البشرة البيضاء (في إشارة إلى المستعمرين القادمين من أوروبا) وفعلوا فيها فعل الشّرّ. إذ تقول: قطط صغيرة وكبيرة (...)، كلّها اختفت من هذه البلدة"، وجرذان صمّاء وعمياء، تظهر في هذه البلدة، "تُشعل الحرائق، فينطفئ نور المكان. وتتراكض الجرذان متسارعة تعبث في الأشياء تاركة زعقاتها تُشعل القشعريرة في هذه البلدة. حللتِ علينا أيّتها اللّعنة". كما أنّها لم تنس الإشارة إلى العملاء والجواسيس بقولها: "قطط سمان تكوّم النّقود في المصارف وتكوّم الدّهون في كروشها. كلّها ظهرت في هذه البلدة".
وفي قصّة "تماسيح المنطقة الاستوائيّة" تصف الكاتبة "التّماسيح، وهي تتكاثر وتخرج لتضع بيوضها على اليابسة. وتخرج أيضًا راكضة إلى عشب الأرض قرب البحيرة باحثة عن طعامها، حينما لا يكفيها ما في الماء من كائنات صغيرة وأنواع أسماك، تسرع فاغرة أفواهها وهي تتضوّر جوعًا لصيد فرائسها من الحيوان والإنسان. التّماسيح تملأ البحيرة المحاطة بغابات غنّاء في هذه المنطقة الضّاربة بحرارتها" (ص: 62).
لعلّ في ذلك إشارة إلى الكيان الصّهيونيّ-الاستعماريّ الّذي بدأت خطوته الأولى بمكان ضيّق، ثمّ أخذت حدوده تتّسع، شيئًا فشيئًا، إلى أن قضم فلسطين كاملة، ثمّ تمدّد أكثر ليبتلع أراضٍ مصريّة وسوريّة ولبنانيّة، وها هو يلقي بثقل "الأمر الواقع" على المنطقة بما يطوّر من بناء وعمران بطابع اغتصابيّ-استيطانيّ، بالقوّة والقوّة المفرطة.

ثالثًا: الظّلم الواقع على المرأة:
في بعض القصص نلحظ تصوير العنف الواقع على النّساء. فكثيرًا ما ينتهي الأمر بقتلها، أو موتها، أو ضربها. ففي قصّة "القناع يضحك والخلخال يرنّ" تُقتل الرّاقصة على يد المعتوه الّذي خنقها بإيعاز من الرّوح الشّيطانيّة. وفي قصّة "تحوّلات في طعم الحلوى" نجد أنّ الزّوجة أصيبت "بالتّأتأة الّتي آلت تدريجيًّا إلى الخرس، وهي تصطدم باعترافات زوجها (...) ورسالته الّتي كتبها للمرأة الّتي اغتصبها"[4]، كما أنّ صانع الحلوى "يضرب زوجته الّتي ظلّت تخونه مع الكهربائيّ" إلّا أنّ أحدًا لم يضرب الكهربائيّ!
وفي قصّة "دورة الفصول" تقول المرأة الجوّانيّة: "أتقبّل الموت. أحبّ أن أموت على أنغام موسيقى يسجد لها السِّحر وقامة السَّهر"، وهناك المرأة ذات الخدوش الكثيرة. وأمّا قصّة "سودوكو" فللظّلم الواقع على المرأة نكهة أخرى تتمثّل فيما تقوم به المرأة ضدّ الأخريات من بنات جنسها، بدافع الأنانيّة والغيرة وأحيانًا استجابة لعمى الشّهوانيّة، كما أنّها لدافع واحد أو أكثر من تلك الدّوافع نجدها تمارس القتل ببشاعة.
وفي قصّة "القناع يضحك والخلخال يرنُّ" نجد أنّ الرجل يرى جريمة مقتل جارته، تلك المرأة الّتي كان يحبّها حبًّا صامتًا وجامحًا (ص: 49). وفي قصّة "فساتين سوداء" يظهر رجل "يقتبس خاصّيّة من ذكر الحَجَل"[5] فتتأجّج غيرته فيقتل المرأة، عارضة الأزياء، ويقضي سنين طويلة في السّجن (ص: 68).
رابعًا: ارتفاع مستوى الرّمزيّة في النصوص:
بالإضافة إلى اللّغة الشّعريّة في عدد من القصص، نلمح ما يمكن وصفه بالمستوى العالي من الرّمز. وسأكتفي بالإشارة إلى الجمل والعبارات التّالية:
-       من الجسد السّاكن أرشف دماء حمراء بأصابعي، أمسح بها جبيني وساقيّ الطّويلتين (ص: 22)، وفي قولها: "من الجسد السّاكن الّذي بلون القمح أرشف بدمائي دمه بروحي، أمسح مكان الرّصاصة في صدري. أرتعش" (ص: 24).
-       في قصّة "لعنة بيضاء" نجد أنّ الرّمزيّة سائدة فيها والوضوح هو الاستثنائيّ.
-       "صدى صوت من الأعماق يعلو ويدوّي: فيض شهوة يغرس شجرة ضخمة. هذه الشّجرة ستغدو عشًّا لغراب يحطّ في هذه المنطقة" (ص: 35-36). وفي ذلك إشارة إلى المستعمر القادم ليحيل الحضارة وجمال الطّبيعة إلى (عشّ) تتكاثر فيه قوى الشّرّ وتتعاظم حتّى تهيمن على المنطقة بأكملها.
-       "غيوم محمّلة بمياه سوداء بفعل حملة تنظيف أجرتها السّماء. وقبقاب مزيّن بأزهار عبّاد الشّمس يمشي في الممرّ الطّويل في هذا المبنى" (ص: 43).
-       "الضّحكة صارت ثقبًا كبيرًا مرعبًا ابتلع المتفرّجين الكبار والصّغار واحدًا واحدًا، في ما يشبه دوّامة طاحنة. وبرْق الرّعد أضرم النّار في الخيمة الكبيرة، وأتى على كلّ السّيرك" (ص: 54). وهي تشير بذلك إلى الظّلم الّذي تعرّضت له الرّاقصة الّتي تبنّى حبيبها إحياءها في وجدانه، وهو ينتقم لها من الظّلم والظّالمين متى أمكنه ذلك.
-       "عقارب تخرج من شقوق تفاصيل الجسد، تتعربش المسامات بصفرتها وسوادها" (ص: 61).

الخاتمة والتعليق:
بعد هذه القراءة التّحليليّة للمجموعة القصصيّة (الأرجوحة 13) للكاتبة "منى ظاهر"، يمكنني القول بأنّني كنت مع نصوص قصصيّة جميلة مخلصة للفنّ القصصيّ التّجريبيّ بامتياز.
هذه القصص غنيّة ببعدها الإنسانيّ، وهي تلتفت إلى قضايا عديدة، منها النّسائيّة، ومنها المسكوت عنها والمنسيّة واللّامألوفة باشتغال تخييليّ وحلميّ ووظيفيّ.
وقد اعتمدت الكاتبة على توظيف الجسد والاحتفاء بشعريّته وبطبقاته المنسيّة، ليخدم هذا التّوظيف الجريء مضمون النّصّ وفنّيّته.
هذه القصص تترك للقارئ فرصة المشاركة الفاعلة في النّصّ، عندما تترك الكاتبة في مفاتيح لسدّ الفجوات، وتتركه مع دلالات مختلفة؛ لكي يأخذ القارئ دور الشّريك في الكتابة. ويكفي أن أستشهد بما فعلته في قصّتها الرّائعة "فساتين سوداء" الّتي "قد تكون هذه سيناريوهات محتملة لأجساد نساء خمس لبست كلّ واحدة منهنّ فستانًا أسود. تراه ماذا سيكون سيناريو الفستان السّادس؟ هذا ما فكّرت فيه المرأة العاشقة للّون الأسود، والّتي تحضّر معرض صورها الفوتوغرافيّة لأجساد عارضات أزياء تغطّيها أقمشة سوداء بنوعيّات متعدّدة وبأطوال مختلفة" (ص: 72).
بقي القول إنّنا أمام مجموعة قصصيّة تمتّعت كاتبتها بقدرة عالية على توزيع الشّخصيّات بتوازن رائع، بين الشّريرة والخيّرة، الضّعيفة والقويّة، كما توزّعت بين الرّجل والمرأة وهما يتوزّعان على الخير والشّرّ والضّعف والقوة. كما أنّ الدّمّ والقتل والحيوانات والحشرات، بأنواعها وأشكالها المقزّزة والجميلة، بالإضافة إلى الطّبيعة ومخزونها الجميل والمخيف، كلّ ذلك تمّ توظيفه في النّصوص، بما يخدم الكاتبة فيما أرادت الوصول إليه.
وأما التّرقيم والإملاء، والصّياغة فقد أظهرت أنّنا أمام لغويّة محترفة، توفّر للقارئ، من مختلف الأعمار، فرصة الاطّلاع على نصوص متقنة تخلو من أخطاء طالما قضّت مضاجعنا من قبل لدى العديد من الكتّاب داخل الوطن وخارجه.
أبارك للكاتبة "منى ظاهر" هذا الإبداع الأدبيّ الجميل، وأوصي وزارتي التّربية والثّقافة إلى تبنّي إيصال هذا الكتاب القصصيّ للقراء من أبناء وبنات شعبنا، كما أدعو المسرحيّين والسينمائيّين إلى الاطّلاع عليه؛ لاستلهام إبداعات دراميّة، كم نحن بحاجة إلى أن نشيعها في أبنائنا، صغارًا وكبارًا.
فلسطين، بيت لحم، العبيديّة
30 نيسان، 2015م





[1] ورد ذلك أثناء مقابلة مع الكاتبة أجراها "جودت عيد" ضمن برنامج "فضاء المنارة"  أنظر الرّابط: http://www.arabcast.org/new/?mod=book&ID=1742#.VUHtPNJViko (تم الوصول إليه في 30/04/2015م).

[2] في المقابلة الإذاعيّة المذكورة أعلاه، لم تشأ الكاتبة الإشارة إلى تفسير سبب استخدامها للعدد -13-.
[4] إنّها "المرأة الّتي جنى عليها وهي طفلة صغيرة، والّتي تقول له في النهاية "أسامحك"! (ص: 58).
[5] ذكَر الحَجَلِ يقتلُ كلّ من ينظر إلى أنثاه.

إرسال تعليق Blogger

 
Top