0
في الذكرى -33- لمذبحة صبرا وشاتيلا:
أَلَمٌ يتجدد.. وواقع يشير إلى قادمٍ مخيف!
                                                          عزيز العصا
في مثل هذه الأيام من العام 1982، وبالتحديد خلال الأيام (16-18/09/1982م)، وقعت مذبحة في مخيمي "صبرا" و"شاتيلا" للاجئين الفلسطينيين في لبنان الشقيق، حيث كان "ياسر عرفات" رمز فلسطين والفلسطينيين القابض على قضية شعبه بقوة واقتدار، وكان قادة "اسرائيل": مناحيم بيغن/ رئيسًا للوزراء، واسحق شامير/ وزيرًا للخارجية، وأريئيل شارون/ وزيرًا للدفاع؛ وهو المشرف المباشر على حرب شنتها دولته على الفلسطينيين في لبنان تحت إسم "سلامة الجليل".
 
لنبدأ بتلخيص الحادثة وتركيز التعريف بها. فبحسب تعريف موسوعة ويكيبيديا، التي استقت معلوماتها من (16) مرجعًا، هي: "مذبحة نفذت في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في (16 أيلول، 1982م)، واستمرت لمدة ثلاثة أيام على يد المجموعات الانعزالية اللبنانية المتمثلة بحزب الكتائب اللبناني وجيش لبنان الجنوبي و"الجيش الاسرائيلي". وحدثت في ذلك الوقت حيث كان المخيم مطوق بالكامل من قبل جيشي "إسرائيل" ولبنان الجنوبي. وقامت القوات الانعزالية بالدخول إلى المخيم وبدأت، بدم بارد تنفيذ المجزرة، التي هزت العالم ودونما رحمة وبعيدا عن الإعلام. وكانت قد استخدمت الأسلحة البيضاء وغيرها في عمليات التصفية لسكان المخيم العزل. وكانت مهمة "الجيش الإسرائيلي" محاصرة المخيم وإنارته ليلا بالقنابل المضيئة".
ومما يلفت النظر، ويشكل وصمة عار في جبين البشرية جمعاء، وليس في جبين مقترفيها وحدهم، أن عدد الشهداء في هذه المذبحة لا يعرف بوضوح، إذ أن الموسوعة المذكورة تقدره بين (750-3500) شهيدًا، من جميع الشرائح المجتمعية من المدنيين العزل. وبحسب موسوعة النكبة الفلسطينية فإن عدد الشهداء يصل إلى (5,000) شهيد[1]، وهناك من يتحدث عن (800) شهيد. وفي العام (2003) صدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاب من تأليف بيان نويهض الحوت، بعنوان: "صبرا وشاتيلا، أيلول 1982"، ينتهي بملحق أسماء يحتوي على (906) أسماء لضحايا، و (484) اسماً لمخطوفين ومفقودين.

 في جميع الأحوال، لم نجد مصدرين يلتقيان على عدد محدد لأولئك الشهداء. مما يشير إلى حجم الفوضى والدمار، واتساع نطاق عمليات الذبح، وطريقة الذبح؛ بالسكين وبغيره من أدوات القتل، والتي تشمل التجويع والتعطيش والنزف حتى الموت، وغير ذلك مما يصعب حصره، في ظل انفلات الحبل على الغارب لقوى الشر.
إلا أن ما توصلت إليه هو الجدول المنشور من قبل "مركز المعلومات الوطني الفلسطيني" على الموقع الالكتروني "http://www.wafainfo.ps/atemplate.aspx?id=7625"، والذي يضم قائمة من (403) شهداء. وقد قمت بتحليل هذه القائمة، لأجد أن حوالى نصف الشهداء "فقط" فلسطينيين (209 شهداء، بواقع 154 شهيدًا و55 شهيدة؛ يشكلون 52%)، ونحو 30% منها من اللبنانيين واللبنانيات، ونحو 5% من السوريين والسوريات، و7% موزعين على مصر والأردن والجزائر وإيران وتركيا والباكستان والسودان. وأما الـ (6%) المتبقية من عدد الشهداء في تلك المذبحة البشعة، فإنهم غير معروفي الهوية. وعند تصنيف القائمة بحسب الأسماء فتجد أن عائلات بكامل عدد أفرادها؛ الأب والأم والأطفال والجد والجدة (إن وجدوا) هم في عداد الشهداء.



وهنا؛ أود التوقف عند أحد المواقع الإخبارية الفلسطينية الأصل والفصل، الذي يقول عن تلك المذبحة: آلاف القتلى كانوا من الرجال والأطفال والنساء والشيوخ المدنيين العزل من السلاح، أغلبيتهم من الفلسطينيين ومن بينهم لبنانيين أيضًا. أليس في ذلك تجاهل للشهداء الآخرين من الأقطار العربية الأخرى؟ وهل يجوز لنا التعامل مع مناسبات كهذه بمجرد "رمي" الأرقام على عواهنها دون التوقف عندها بالقراءة والتحليل؟  
لا شك في أن لتلك الأرقام والأعداد والتوزيع للشهداء دلالة واضحة على أن المستهدف هو المخيم الفلسطيني الذي يشكل رمز العودة. كما أن في ذلك إشارة إلى حجم الحقد والغل الذي كان يعتمر صدور المهاجمين وخصائصهم، الفردية والجمعية، التي أهّلتهم للقيام بهذه المهمة دون رأفة.
ومما يثير السخرية أن "إسرائيل" تسعى، منذ لك الحين وحتى تاريخه، إلى تبرئة نفسها من مذبحة تمت بحق مواطنين عزل كان جيشها يطبق عليهم كالسوار حول المعصم[2].
في الفصل الثامن من كتابه "من اسرائيل إلى دمشق" (ص: 26-29) باللغة الانجليزية يقول روبير حاتم؛ الذي كان في تلك الأثناء الحارس الشخصي لمسؤول جهاز الأمن في القوات اللبنانية اليمينية "إيلي حبيقة"، أن (الشباب) بدأوا بالتقدم عبر مطار بيروت،
والقوات اللبنانية قطعت خطوط الجيش الإسرائيلي المحاصِر للمخيمين، وذلك مساء 16/09/1982، وكانت التعليمات واضحة من شارون إلى "حبيقة" بضرورة تصرف قواته كقوات نظامية وليس كجنود "الشوكولاته"، وأن عليهم التنسيق مع القوات الإسرائيلية. ويشير "حاتم" إلى أنه سمع "شارون" يعاتب "حبيقة" على تلك المذبحة. ويؤكد "حاتم" على أن القتل قد تم بالقنابل اليدوية والفؤوس والبنادق الهجومية والسكاكين.


ولدى البحث حول "إيلي حبيقة" هذا نجد أن البي بي سي، تقول فيه[3]: كان حبيقة في بادئ الأمر شأنه شأن الكثيرين من المسيحيين المارونيين حليفا لإسرائيل، ضد ما كان يعتبره هيمنة سورية في لبنان. إلا أنه لم تكد تمر خمس سنوات على التدريب الذي تلقاه في إسرائيل، إلى جنب ضباط آخرين في القوات اللبنانية؛ لتعلم فنون القتال ضد الفلسطينيين واليساريين اللبنانيين وغيرهم، حتى غير "حبيقة" موقعه ليدخل تحالفا أكثر ديمومة مع سورية، وظل قريبا من سورية، اللاعب الرئيسي في المعادلة اللبنانية، إلى حين مقتله. وتشير مراجع أخرى إلى أنه قد عين عدة مرات كوزير يمثل التيار الموالي لسوريا في مجلس الوزراء اللبناني[4].

عند قراءة ما بين سطور تلك المذبحة، وبالتمعن فيما آل إليه وضع "حبيقة" المتهم الرئيسي فيها، نستطيع رؤية حالة التقاء المصالح لمجموعة من الدول والقوى والمنظمات مع "إسرائيل" في محاولة إخراج الفلسطينيين من المعادلة الجيوسياسية في المنطقة، بعد أن أصبحوا يشكلون ثقلًا يجثم على صدور أولئك الساعين إلى تزعم الصراع العربي-الإسرائيلي، من أجل تحقيق مجموعة من المكاسب "القطرية" الضيقة على حساب القضية الأم.
ومن الجدير ذكره أنه بعد مجازر صبرا وشاتيلا، نزل إلى الشوارع 400 ألف إسرائيلي، لتكون أول أضخم مظاهرة في تاريخ إسرائيل، تحتج على سياستها الحربية وتطالب بتسوية سياسية للصراع، وتضعضع حكم الليكود، وأدت إلى إقالة المسؤولين عن الحرب:  وزير الدفاع/ أرئيل شارون، ورئيس أركان الجيش/ رفائيل ايتان. واضطر الليكود الحاكم، في حينه، إلى تقديم موعد الانتخابات، من العام 1985 إلى العام 1984، وخسر مكانته كحزب أكبر؛ فتساوى مع حزب العمل المعارض، واضطر إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية معه[5].

خلاصة القول؛ تمر الذكرى الثالثة والثلاثين لتلك المذبحة الشنيعة، وأبناء شعبا ينتقلون من مذبحة إلى أخرى، فما جرى ويجري في مخيم اليرموك هو تكرار "يومي" لما جرى في صبرا وشاتيلا، وهو كذلك يتم بأيدي أبناء الأمة المقتتلين على أرض سوريا.
وقبل أن نغادر، أدعو الباحثين ومراكز الأبحاث إلى التدقيق في الأرقام، والتفاصيل الخاصة بالأحداث التي تمر على شعبنا، في أماكن تواجده كافة؛ وذلك لضرورات وضع شعبنا في ضوء حقيقة ما يجري بحقه، ولضرورات استخدامها في المحافل الدولية لملاحقة القتلة ومعاقبتهم مهما طال الزمن، وسواء أكانوا أحياء أم أموات. كما أنه لا بد من تعزيز الرواية الوطنية الفلسطينية وهي رواية شعب صاحب حق، في الوجود والهوية وتقرير المصير، في مواجهة رواية مضادة تسعى إلى "محوه" من الوجود؛ برميه "عاريًا" على أشواك التيه والتشرد والضياع.
فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 13 أيلول، 2015م



[1] انظر الموقع الالكتروني لـ "موسوعة النكبة الفلسطينية": http://www.nakba.ps/massacre-details.php?id=6
[2] تدعي "إسرائيل" بأنه وفقا لبرتوكولات سرية نشرت في العام (2013) قال شارون: إنه لم تكن هناك إمكانية لنتوقع مسبقًا احتمال حدوث مجزرة بهذا الحجم: "لا يوجد لدي ادّعاء تجاه "الموساد" - فهو كذلك لم يقدّر الحدث. شعبة الاستخبارات العسكرية لم تقدّر، الموساد لم يقدّر، لم يقدّر أحدٌ منّا، أن يحدث ذلك". انظر:
[3] انظر: بي بي سي أون لاين، بتاريخ: 24/01/2002م. الرابط:

[4] اغتيل في  بيروت بتاريخ 24/01/2002م، عن طريق سيارة مفخخة عندما قرر الذهاب إلى محكمة العدل الدولية في هولندا لفضح جرائم الحرب الإسرائيلية وفضح مجازر الحرب الأهلية اللبنانية. انظر:
[5] مؤسسة ياسر عرفات، الكتاب السنوي-2012. رام الله. فلسطين. ص: 120.

إرسال تعليق Blogger

 
Top