0




هاني عودة؛ تربوي فلسطيني من مدينة بيت ساحور؛ المدينة التي خرّجت قادة الفكر والتربية والتعليم، الذين نهلنا منهم العلم والمعرفة منذ نعومة أظفارنا؛ فأضاءوا لنا المظلم من دروب الجهل والتخلف الذي فرضه علينا الاستعمار في مراحله المختلفة.
صدر لـ "هاني عودة" في العام 2008 رواية بعنوان: "لكِ إلى الأبد"، بحجم (138) صفحة من القطع الصغير. وقد قمت بقراءتها، فتمعنت فيما بين سطورها، فرصدتها من ثلاث زوايا، هي: القضية الروائية والجانب الفني؛ التقني والبنيوي والعمق المعرفي.
من حيث القضية الروائية؛ نجد أن النص يقوم على ثلاثة أفكار رئيسية. فأما الفكرة الأولى، فتمثل الصراع القائم على أرض فلسطين بين فلسطينيين يسعون إلى نيل حريتهم، بالطرق السلمية الخالية من العنف، والعيش "بسلام" إلى جانب "اسرائيل"، وبين الاحتلال الاسرائيلي الذي يقابل تلك المطالب بالقوة والعنجهية وحجز الحريات، وبالمزيد من الاعتقالات والتعذيب الوحشي. وأما الفكرة الثانية، فتقوم على الوفاء للمحبوب/ة وللوطن، مهما كانت قسوة الظروف التي يحياها كل منهما، وأيًا كان حجم التضحية ومداها؛ باعتبار هذا الوفاء سمة إنسانية بالدرجة الأولى. وأما الفكرة الثالثة، فإنها تسلط الضوء على التواصل بين الأجيال، بما يجعل جيل الصغار يضحي لكي يعيد لجيل الكبار حيويته ونشاطه وجماله المفقود منذ زمن، ويخرجه من عالم اليأس والإحباط، ويوظف خبراته في صياغة المستقبل من أجل سعادة الجميع.
من حيث البنية والسرد والتراكيب واللغة والترقيم، فنجد أن النص قد أخفى أدوار أخرى للشخصيات، كالوالدين والجيل الشاب مثل "بثينة" التي دخلت في الحوار وخرجت منه دون أن نتعرف على رؤيتها للمستقبل، بل اقتصر دورها ما أبرزته من جماليات ومفاتن وما قامت به من قُبل. وأدى ذلك إلى أن يطغى أسلوب السرد القصصي على حساب السرد الروائي. أما على مستوى اللغة والمفردات والمصطلحات، فقد كانت بمستوى يقترب كثيرًا من لغة حوارات المقاهي الشعبية العادية، التي بقيت بنفس الوتيرة من بداية النص حتى نهايته.
من جانب آخر؛ يلاحظ على النص عدم استخدام علامات الترقيم التي تنظم الكتابة والقراءة. فقد تبين خلوّ النص من علامات الوقف: ( ، ؛ . )؛ التي تمكن القارئ من الوقوف عندها وقفاً تاماً، أو متوسطاً، أو قصيراً، والتزود بالراحة أو بالنفس الضروري لمواصلة عملية القراءة، إلا أنه طغى على النص استخدام علامات النبرات الصوتية: (: ... ؟)؛ وهي علامات وقف أيضا، لكنها – إضافة إلى الوقف – تتمتع بنبرات صوتية خاصة وانفعالات نفسية معينة أثناء القراءة .
العمق المعرفي للنص؛ تركز في مجموعة من المرتكزات والمحاور التي شكلت الهيكل الفكري والفلسفي، وتتمثل فيما يلي:
أولاً: العواطف والمشاعر الإنسانية بين الرجل والمرأة:
لقد تجول بنا "هاني عودة" في مشاهد مشبعة بالوجدانيات والمشاعر والعواطف، التي تتحاور بها الأجساد والعيون والشفاه والأصابع، بتوجيهات من الكيمياء التي تسكنها؛ فتتحد مع هذا وتنفر من ذاك. في حين أن الفيزياء، ممثلة بالشحنات الكهربائية، تخدّر الجسد وهي التي تجعله يستيقظ من أحلامه الجميلة. وفي كثير من المناسبات، جاءت "الرعشة" الجميلة استجابة طبيعية لتلامس الأجساد، ونظرات العيون، والتقاء الشفاه. وقد كان لهذا الحراك العاطفي والمشاعري الدور الأساس في الإبقاء على الحياة مستمرة، سواء داخل السجن أم خارجه؛ وسواء في الغربة أم على أرض الوطن؛ وسواء في أجواء من الصحة والعافية أم في المرض والسقم.
وقد تجلى الوفاء، في أبهى صوره، بين "عصام" و"سناء"، فعندما اعتقل هو أبرق لها (عبر المحامي): تحرري من قيودي وانظري إلى مستقبلك (ص61)، فرفضت هذا العرض، وبقيت على العهد وفي الميدان، إلى أن أصبحت هي مقعدة، فقالت له: أريدك أن تتزوج، أنا أحبك ولكن كصديقة بل كأخت (ص123)، فكان رد "عصام" أنه "لا يمكنه أن يعيش بعيدًا عنها؛ فهي عواطفه وذكرياته وشبابه وهي حبه الوحيد" (ص133)، ثم أعلن "عصام" لـ "سناء"، على الملأ: أنت الحب الوحيد، والأمل الوحيد؛ وسأظل معك، ولن أتخلى عنك، سأظل لك، لكِ إلى الأبد".
ثانيًا: توثيق لمرحلة تاريخية:
فقد غطى النص مرحلة هامه وحساسة من حياة الشعب الفلسطيني، تمتد بين العام 1988 وحتى أواخر العقد الاول من القرن الحادي والعشرين, وما انتابها من تطورات وأحداث دراماتيكية، تتمثل فيما يلي:
• الانتفاضة الأولى وما تميزت به من آليات عمل نضالية احتجاجية، خالية من العنف تهدف إلى أن ينال الشعب الفلسطيني حريته على أرضه؛ بزوال الاحتلال ومظاهر القوة والسلطة التي حولت الفلسطيني إلى مجرد رقم بلا روح.
• حرب الخليج، ودخول العراق إلى الكويت، التي كشفت زيف القوى العظمى التي اعتبرته احتلالاً فجيّشت الجيوش ضد العراق لإخراجه من الكويت, في حين أنها تُربت على كتف "إسرائيل" التي تحتل الأراضي الفلسطينية، وتصادر حرية الفلسطينيين؛ أصحاب الأرض الشرعيين.
• اتفاقية أوسلو التي لم ينفذ منها إلا بالقدر الذي يخدم اسرائيل وامنها. وما تبعها من انتفاضة ثانية، جعلت الفلسطينيين يعيشون في ضيق وضك العيش, الامر الذي انتهى بجدار يشطر الوطن ويحرم ابناءه من التنعم بحياة حرة كريمة على أرضه، وبوفاة القائد ياسر عرفات بعد أن حوصر في المقاطعة، إلى أن قضى كما أرادها هو "شهيدًا شهيدًا شهيدًا".
ثالثًا: حِكَم, عِبَر, مفاهيم للوطن والوطنية: لقد كان "هاني عودة" واضحاً في تعميق الروح الوطنية وتأجيجها لدى القارئ، إلى جانب الوفاء والتضحية بمعانيهما السامية، ومما يقوله:
- يرى أن الإنسان لا يحتاج إلى كلمات كي يعبر عن حبه (ص30). وأنه ليس فيه نداء أو إغواء، لا لوم ولا عتاب، بل هناك دعوة واستجابة، وهو "تيار كهربائي يمسّ الحبيبين دون إرادتيهما (ص55). كما يخشى أن يقتل الزواج الحب (ص53)، أي أنه يرى للحب خصائص وسمات تحتاج إلى مستوى عالٍ من الفهم والإدراك لاستيعاب معانيها، كما يرى في الحب قدسية تفوق قدسية الزواج نفسه.. لذلك؛ تم توظيف الحب في مواجهة السجن وظلمته في ليالي السجن الطويلة (ص62).
- ويرى أن المعرفة سلاح من أسلحة مواجهة السجن والسجان، فيقول: كي تعرف عدوك يجب أن تتعلم لغته، وفي ذلك استراتيجية مواجه للاحتلال الذي يسعى إلى محو مجتمعنا وإنشاء مجتمع آخر محله.
- أما بشأن الوطن وحمايته، فقد أولاه "هاني عودة" مساحة كبيرة، عندما يرى أن "دماء الشهداء هي التي تسقي النبتة الحرية التي نناضل من أجلها" (ص79)، وأن الوطن هو الاحلام والحب والمستقبل والسعادة، وإذا فقد الإنسان هذه القيم، فأي مفهوم يبقى لديه؟ (ص83). كما يحث على الصمود والمواجهة، وعدم الهروب من الميدان، متسائلًا: وهل ينهزم القيادي من أول تجربة (ص109).
رابعًا: السجن ومصطلحاته: ففي مجال السجن والعلاقة بين السجان والسجين، يشير إلى استراتيجيات الأسرى في التعامل مع المحققين القائمة على عدم التعاون حفاظاً على سرية المعلومات. مع التأكيد على مجموعة مفاهيم ذات صلة بالصمود كأن يُرفع شعار "السجن للرجال" (ص43). وأن السجن مدرسة (ص34)؛ يستقي منها السجين المعرفة والثقافة الوطنية والاجتماعية. فيكون السجناء، فيما بينهم، مجتمع نظام وقانون، مجتمع إيثار ومحبة (ص34)، حتى يتمكن (السجناء) من أن "يفتحوا لنور الحرية كوّة من بين جدران السجن المعتمة الباردة" (ص45). ولم نغادر السجن قبل أن يذكرنا بالمصطلحات الخاصة به، مثل: الفورة, العد الصباحي, والبروتوكلات الأخرى المتعلقة بكيفية إدارة العلاقات بين السجناء، واستقبال الجدد منهم وتوديع المفرج عنهم.
خامسًا: استراتيجيات الصراع: لقد كان هذا المحور بمستوى لا يرق إلى الواقع الذي يجري على الأرض. فالاحتلال يطور الأدوات وآليات العمل في مواجهة الفلسطينيين، مثل: البطش والعدوانية والمداهمات والاعتقالات وعمليات الاختطاف والتعذيب الوحشي والقتل العمد والإعدام... الخ. إلا أن هناك في النص "لقطات" يظهر فيها المحقق صديقًا؛ فرحًا بنيل من كان يتلذذ في تعذيبه الحرية بمغادرة السجن (ص75).
كما أن ردود "عصام" على بطش الاحتلال كانت فاترة، ففي تعبير "عصام" عن غضبه جرّاء إعاقة الاحتلال لمحبوبته، بل الزوجة المنتظرة، اكتفى بالقول: أهذا هو المصير الذي أوصلتها إليه أيها الاحتلال؟ (ص76). ونرى أن هذا الرد خالٍ من الحركة والحيوية والتفاعل مع الحدث الجلل. في حين أن مستوى الروح الثورية كان عاليًا في نفوس الفلسطينيين الذين أصروا على "كنس الاحتلال"، والتي كانت بيت إحدى نماذجه الحية؛ عندما هبّوا وتمردوا على الاحتلال برفض التعامل معه وإلقاء "هوياتهم" كأحد أشكال التمرد.
الخلاصة
ها نحن أمضينا وقتاً جميلاً وممتعاً مع رواية "هاني عودة"، التي تعتبر واحدة من النصوص التي وثقت للحالة الفلسطينية، على مدى عشرين عامًا، خلال الانتفاضتين: الأولى الثانية. فهي أحداث حقيقية خالية من الرتوش والتجميلات؛ نابعة من قلب المشهد الفلسطيني المشبع بالحب والرغبة الجامحة في التحرر من الاحتلال، والعيش الكريم على أرض الآباء والأجداد.
كما أنها، وإن كانت بحاجة إلى المزيد، تشكل جزءًا من سيرة ذاتية للوفاء الفلسطيني، المشبع بالآلام والآمال، التي امتزجت في نفوس الفلسطينيين، عبر مئات الأعوام من العيش على هذه الأرض، بلا انقطاع، والتي آخرها الصراع مع الاحتلال الذي واجهه شعبنا بالمزيد من الوفاء والتلاحم والتعاضد. وهل أجمل من أن "سناء" تناشد "عصام"، بالقول: استحلفك باسم الحب الذي بيننا أن تتركني وأن لا تربط مصيرك بمصيري"! ليرد عليها "عصام" بأن "يُبقي سناء رمز الوطن ورمز النضال في حياته". هذا الوطن الذي لن ينعم أبناءه بالحرية إلا بزوال الاحتلال وشروره.
فلسطين، بيت لحم، العبيدية

إرسال تعليق Blogger

 
Top