0
في الذكرى 118 للمؤتمر الصهيوني الأول
السيطرة على القارات الثلاث.. لمصلحة من؟
                                                         عزيز العصا
يصادف هذا اليوم 29/08/2015 الذكرى الـ (118) لانعقاد المؤتمر الصهيوني الأول، برئاسة هيرتزل، في مدينة بازل بسويسرا. وقد جاء ذلك المؤتمر، في حينه، بعد مخاض عسير لعدد كبير من الأفكار والمقترحات والمشاريع الساعية إلى تجميع اليهود في مكان ما، والتي تجاوز عددها الـ (14) مشروعًا، من قبل سياسيين ومفكرين وتجار وأصحاب مصالح، يهود وغير يهود، من أوروبيين وأمريكان متعاطفين مع الأماني اليهودية والصهيونية، توزعت على جميع قارات الكرة الأرضية.

وكان الهدف الاستراتيجي أن يصبح لليهود وطن بعد أن كانوا كحال أي ديانة على وجه الأرض؛ موزعين على أقطار المعمورة كافة. وليصبحوا أمة، بعد أن لم يكونوا أمة بالمفهوم القومي. وأن يكون لهم لغة، بعد أن كانت الكنيسة الكاثوليكية تنظر إلى اللغة العبرية على أنها "هرطقة"؛ وكانت تعمل جاهدة في القرون الوسطى على منع تدريسها وانتشارها، وأن أول من دعا إلى تحديثها هو "يهودا الكعبي" (1798-1878). وقد نشر في العام 1839 كتابًا في تعليم قواعد اللغة العبرية([1]).
كما أن ذلك المؤتمر قد جاء في أجواء المذابح التي مورست بحق اليهود على يد روسيا القيصرية في العام 1882، والتي أنجبت الموجات الأولى للهجرة اليهودية إلى فلسطين، بعلم الدولة العثمانية وبموافقتها، . تلك المذابح التي عجلت في انبثاق الحركة الصهيونية وانتقالها من النظرية إلى التطبيق، فشهد ذلك المؤتمر الإعلان عنها وعن واحد من أهم أدواتها وأذرعها التنفيذية وهي الوكالة اليهودية (جمعية الاستعمار اليهودي)؛ وهي الجهاز الذي يُشرف على حركة الاستعمار الاستيطاني, ويُعنى بإسكان المهاجرين في المستعمرات.

لقد كانت الحركة الصهيونية متأثرة بالنزعات القومية الأوروبية، والأفكار الاستعمارية في اختيار فلسطين، ليس لأسباب دينية أو عقائدية كما ادعوا أمام أبناء دينهم من اليهود، بل كمظهر نفعي بغية إقامة علاقات مع القوى العظمى في ذلك الوقت. إذ أن هيرتزل، الذي لم يكن متدينًا يوما، كان يعتبر الحركة الصهيونية طليعة ثقافية ضد الهمجية في آسيا([2])، كما أنه هو صاحب مقولة: ستكون "دولة اليهود" في الشرق بمنزلة "سور الحضارة الغربية الأوروبية أمام البربرية الآسيوية"([3]). وفي العام 1915؛ في أجواء الحرب العالمية الأولى، قدم وايزمن وهربرت صموئيل؛ وهما من أشهر الصهاينة الذين لعبوا دورًا في إصدار وعد بلفور، للإنجليز مقترحات لإقامة الدولة اليهودية ذات الطابع الاستعماري، أهمها:
1)    كان صموئيل يحلم بإرسال ثلاثة ملايين يهودي لحماية قناة السويس للإنجليز.
2)    قدم حاييم وايزمن اقتراحًا، بأنه في حال أصبحت فلسطين تابعة للنفوذ البريطاني، فإنه مستعد لجلب مليون يهودي خلال (20-30) عامًا، وزرعهم كحراس على قناة السويس؛ وذلك بزيادة عدد المستعمرات اليهودية في القسم الجنوبي من فلسطين([4]). علمًا بأن عدد المستعمرات المقامة على أرض فلسطين، إبّان الحقبة العثمانية، لا يزيد عن (35) مستعمرة([5]).    
وفق تلك النوايا والاستعدادات والأدوات الاستعمارية، أخذ زعماء الحركة الصهيونية يسوقون، تباعًا، العديد من الأدلّة والمبررات الكفيلة بتسويق أفكارهم وإقناع اليهود بتطبيقها على الأرض. إلا أنها مبررات زائفة، ومما يدل على زيفها، ما يقول به آباء الصهيونية ومؤسسيها، مثل:
-  ليو بِنسكِر؛ الصهيوني (المبدئي!) الذي سبق هيرتزل، لم يعتبر فلسطين أرض الميعاد الوحيدة. وفي كتيّب له ظهر في العام 1882 تحت عنوان "تحرير ذاتي"، كتب قائلاً: "ليس علينا أن نتطلع إلى أرضنا "المقدسة"، بل إلى أرضٍ "لنا". ونحن لا نطلب أي شئ آخر غير قطعة كبيرة من الأرض، تكون لنا "للأبد" ولا يستطيع الأسياد الأجانب طردنا منها"([6]).
-  لم يكن هيرتزل يعتقد بجدية بأن اليهود هم شعب –عرق فريد من نوعه- وعلى عكس رفاقه في الحركة (الصهيونية)، كانت فلسطين في نظره أقل أهمية باعتبارها البلد الهدف. بل تمثل العنصر الحاسم في رؤيته بالحاجة الماسّة والملحّة إلى إيجاد ملاذ جماعي-قومي لليهود (الملاحَقين والعاجزين). وقد كتب في مؤلفه "دولة اليهود": "هل نختار فلسطين، أم الأرجنتين؟ الجمعية ستختار البلاد التي تستطيع (الحصول عليها) والتي ستوافق عليها أغلبية أبناء شعبنا". وفي النقاش حول أوغندا، في المؤتمر الصهيوني السادس، فَرَضَ على رفاقه القبول بالمقترح البريطاني بشأن الاستعمار في شرق أفريقيا([7]).
مما يعني أن هناك توجهاً مبكراً لإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، بما يجعلها رأس حربة للمشروع الاستعماري في المنطقة، مما وفر لها الدعم المطلق من قبل الامبريالية الغربية التي تسعى لتأمين مصالحها، بخاصة مصادر الطاقة.
قامت قناة الجزيرة في العام 2007 ببث سلسلة حلقات للمفكر والصحفي المصري المخضرم "محمد حسنين هيكل"، قام خلالها بقراءة لما بين سطور المنطقة. وفيما يتعلق بجزئية الصراع القائم على أرض فلسطين، قال "بما معناه": سيكتشف الطرفان، في يوم من الأيام، أن هناك من يخدعهما أو يستخدمهما لتحقيق مصالحه.
وإن كنت لا أتفق مع تبسيط الأمور أو "تسطحها" لهذا الحد، إلا أن هذا القول يدفعنا إلى مراجعة التاريخ وربط الأحداث، بما يشبه لعبة "البزل" للخروج بقناعات محددة حول ما جرى ويجري حاليًا، كما يؤشر إلى الملامح العامة والخطوط العريضة للمستقبل؛ وذلك لأن الماضي هو مرآة المستقبل وأنهما متلاحمان بحال لا يمكن فصلهما بقوة سحرية.
أعتقد أن الفلسطينيين قد فهموا من خدعهم عبر لعبة المصالح بين الدول التي أودت بوطنهم، وكادت أن تودي بهويتهم. وإذا ما تجاوزنا المصالح الأوروبية التي ذقنا مرارتها، فإننا نقترب من ذلك الدور الذي لعبته الدولة العثمانية (1517-1917)، التي كانت تعلم علم اليقين ما تضمره الحركة الصهيونية لفلسطين وأهلها، لا سيما وأن السلطان العثماني قد تابع أحد عشر مؤتمرًا خلال الفترة (1897-1913م)، كما أنها كانت تعلم بما تفعله الحركة الصهيونية التي يشير الحاج أمين الحسيني إلى أنها استولت على (650) ألف دونم في عهد الحكومة العثمانية خلال حقبة طويلة, من الأراضي الأميرية بحجة إنعاش الزراعة وإنشاء مدارس زراعية. أما أبناء جلدتنا، ممثلين بالنظام الرسمي العربي، فقد أسهموا، من حيث يدرون أو لا يدرون، في خداعنا والإلقاء بنا حفاة عراة، وقد نثروا أشلاءنا على أشواك الغربة خارج الوطن.
إذا كنا نحن قد أدركنا حجم المؤامرة علينا، وحجم الدول التي استخدمت معنا القوة وهي تتقاسم مصالحها على أرضنا، فهل أدرك "الإسرائيليون" حجم تلك المؤامرة عليهم، وتوظيفهم لكي يكونوا هم وقود المصالح الاستعمارية الغربية والشرقية، في آن معا، التي ترى أن من يسيطر على فلسطين، يضمن السيطرة على ثلاث قارات في آن معًا؛ أسيا وأفريقيا وأوروبا؟
إلى أن يُجاب على هذا السؤال، أقول أن "إسرائيل" كيان محكوم لقيادات وأحزاب متطرفةـ تتبنى أيديولوجيات لا إنسانية وصلت لحد "شرعنة" حرق البشر والشجر والحجر، وهذا ما يزيد من تعقيدات الصراع في المنطقة، ويزيد من الأثمان التي يدفعها الشعب الفلسطيني من دماء أبنائه، حتى يهب دفاعًا عن وجوده وهويته.   
فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 24/08/2015م

           






[1] الحوت، بيان (1991). فلسطين (القضية-الشعب-الحضارة): التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين. دار الاستقلال للدراسات والنشر. بيروت، لبنان. ط1. ص: 287، 313.
[2] برييجر، بيدرو (2012). الصراع العربي الإسرائيلي: مئة سؤال وجواب. ترجمة: إبراهيم صالح. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت، لبنان. ط1. ص: 29.
[3]  شلحت، أنطون (2009). محمود درويش- إجازة سريعة في أرض القصائد الأولى. مركز الإعلام الفلسطيني. العدد الالكتروني الصادر بتاريخ: 26/8/2009م. انظر: http://www.palestine-pmc.com/atemplate.php?id=14339

[4] جبارة، تيسير (1986). دراسات في تاريخ فلسطين الحديث. مؤسسة البيادر الصحفية. القدس، فلسطين. ط2. ص: 46-47.
[5] الحروب، صقر (2014). جغرافية فلسطين: دراسة في تنوّع المكان وعبقرية الإنسان. وزارة الثقافة الفلسطينية. ص: 371.
[6] ساند، شلومو (2013). اختراع "أرض إسرائيل ". المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيل ية. رام الله، فلسطين. ط1. ص: 276.
[7] ساند (2013)، ص: 222

إرسال تعليق Blogger

 
Top