0
إياد شماسنة في روايته "الرقص الوثني":
يلقي حجرًا في بحر "عائد إلى حيفا".. فيعيد للأمواج حركتها
نشر في صحيفة القدس المقدسية، بتاريخ 04/11/2017، ص: 15
                                                         عزيز العصا
تقديم
إياد شماسنة؛ روائي وشاعر وممرض وإداري. في كل ما ذُكر له قول ورأي، يشكل مرجعًا للباحثين. فقد قدّر لي أن أحلل له جميع ما أنتج. أي أنني أعرفه ورقيًا كما أعرفه روحًا وجسدًا. وأما العمل الأدبيّ الّذي نحن بصدده لـ "إياد شماسنة" فهو روايته الثانية "الرقص الوثني" الّتي تأتي بعد إصداره لرواية "امرأة أسمها العاصمة" في العام (2014)، وديوانيه الشعريين: "التاريخ السري لفارس الغبار" و"حدائق الكريستال".
صدرت رواية "الرقص الوثني"، بطبعتها الأولى، في العام 2017، عن "دار فضاءات للنّشر" في عمّان. يهديها إلى زوجته "نادية" على شكل "باقة من الزنابق تليق بقامتها، وجمال قلبها". تقع الرّواية في (317) صفحة من القطع المتوسّط، يتوزّع عليها من (25) محطة سردية، والمحطة السادسة والعشرين والأخيرة هي "إعلان" يعترف فيه بأن شخصيات الرواية "خرجت من تحت وصايته، واكتملت وأصبحت تنافسه".
من العتبة إلى النهاية: سيميائية عالية.. والأماكن فضاءات رحبة للحركة
تبدأ الرّوايّة بعتبتها الأولى بعنوانها "الرقص الوثني"، وما يحمله هذا العنوان من سيميائية الفوضى العارمة والجنون، كما يقول "عبد السلام صالح" في روايته "صُرّة المُر": "(...) ونواصل الرقص الوثني المجنون، عبر حركةٍ حرةٍ لا يحكمها سوى إيقاعها القادم خلقًا من إيقاع المطر وموسيقى الريح"[1]. وفي صفحات الافتتاح للرواية، قيد النقاش، ورد على لسان "بنيامين بن يهودا": عندما يرقص الكولونيل رقصا وثنيا؛ تتساقط الضحايا قرابين لمجد رغبته (ص: 7). وفي حوار داخل النص الروائي، ورد على لسان "تسيبي" إحدى شخصياتها: "هم الكولونيالات الذين رقصوا فوق الدم ليصنعوا أمجادهم؛ ليكن العنوان "الرقص الوثني" (ص: 70). كما أن سيميائية العنوان تتحالف مع سيميائية الغلاف التي تحمل ملامح الرقص الصاخب، الذي تتداخل فيه الحركات، وتتعدد التعرجات، صعودًا وهبوطا، في أجواء من الأحمر القاني؛ بلون الدم، الذي يسود في المكان، ويغرق الراقصين من الرأس إلى أخمص القدمين.
تقوم الثّيمة "القضيّة" الرّوائيّة الرئيسيّة، لرواية "الرقص الوثني"، على الصراع المرير المستمر، بين من يملك ويستحق ومن لا يملك ولا يستحق، وتقوم الحبكة والتفاصيل على كشف المستور للدولة العبرية، التي قامت على سرقة المكان والإنسان والتاريخ، وإصدار "هوية قسرية-مزوّرة" لكل جزئية منها، لتشكل، معًا، دولة قادرة على الفتك بكل من يرفض هذا التزوير والسرقة، يثأر لنفسه؛ باستعادة هويته. من هنا، نجد أن جميع السرديات التي تشكل مبنى الرواية مسبوقة بعبارة مكثّفة ذات صلة بواحد أو أكثر من المكوّنات السردية الثلاث: الشخصية، والمكان والزمان.
سعى الكاتب إلى التجريب الروائي من أجل الخروج عن المعيارية والنمطية، وهو يلتقط سمات الأشخاص والأسماء والمسميات، والأماكن والحقب الزمنية، ويصيغها صياغة دقيقة ورصينة، تجعل القارئ شريكًا أساسيًا؛ عبر القراءة التأملية في ثنايا النص، الذي قام على الحوارية والتعددية الصوتية، عند توظيف الكاتب لعدد كبير من الشخصيات لبناء روايته.
حرص الكاتب على أن يلبس كل شخصية من شخصيات روايته سيميائية مميّزة لها من خلال الإسم الذي حملته، مما يسهّل على القارئ التجوال مع شخصيات الرواية، وهو مدرك للدور الذي تقوم به، دون تداخل مع غيرها من الشخصيات، فهناك العربي واليهودي الغربي واليهودي اليمني، ثم الأرمني والمسلم والخائن والطيب والمتعلم والجاهل.
وقد قام الروائي بتوزيع الأدوار على الشخصيات الإسرائيلية بما جعلها تتكامل لتشكل عقدة الرواية وثيمتها الرئيسية، التي تصف المجتمع الإسرائيلي القائم على مجموعة من الضلالات. كما أنه لم يعقِّم الشخصية الفلسطينية؛ بل تركها على سجيتها بدون بطولتها التقليدية المطلقة التي اسبغتها اجيال من الكتاب والروائيين، فهناك مايك سمرون صاحب الشخصية المراوغة، الذي لا يخلو من الصدق والوفاء، رغم طبيعة عمله في التهريب. و"إدريس"، ذلك الفلسطيني الذي يأخذ دور الانتهازي والوصولي، الذي ينتهي أمره إلى جاسوس للاحتلال، يسهم في تمليك المستوطنين في القدس.
كان المكان، عنصرًا حيويًا من عناصر هذه الرواية، ليشكّل العمود الفقري الفني؛ عندما ربط شخصيات الرواية وأحداثها والسرد والحوار مع بعضها البعض: كانت فلسطين حاضرة بعمومها، والقدس بحاراتها (القطمون، وحي الأرمن، وسلوان، وجبل الزيتون، حي البستان)، وحيفا ويافا واللد ورام الله... الخ. وكانت تلك الأماكن هي الفضاءات التي تحركت فيها شخصيات الرواية، ما جعل الرواية تتأرجح بين الحقيقة والإيهام بها؛ من خلال مزاوجة الحقيقي بالمتخيل، والواقعي بالخيالي والمحتمل بالمؤكد.
المجتمع الإسرائيلي: دولة أمن، وأمن دولة لمجتمع متعدد الثقافات
إن القارئ بدقة، لما بين سطور الرواية، يجد نفسه أمام مجموعة من المشاهد-الصور التي تتآلف لتشكل مجتمع الرواية، منها:
أولًا: يهيمن الصراع في الظلام والعلن على الرواية، والمؤامرات جزء من تركيبة الشخصيات:
 ويبدأ ذلك من السطر الأول للرواية، عندما يمارس "إدريس العتيق" "التلصص" في الظلام، والسطو، وهو يهدد بذبح الحارس "منير" –أحد العملاء الهارب من جنوب لبنان- إذا خانه. وتستمر الأحداث لتكشف عن التناقض المذهل في شخصيات الرواية، مثل: "تسيبي" التي تتقمص دور الحارسة على كرامة الفلسطينيين على الحواجز في منظمة "بتسيلم"، ليس حرصًا على الفلسطينيين، وإنما لتبييض صورة إسرائيل أمام العالم (ص: 37-38)، وينتهي الأمر بها إلى الترشح لعضوية الكنيسيت التي تسن القوانين ضد الفلسطينيين (ص: 43)، ثم تصبح قاتلة للأكاديمية الشقراء "نتالي فريدمان" التي قالت في رسالة الدكتوراة: "شعب إسرائيل ليس شعبًا حقيقيًا، متكاملًا مثل باقي الشعوب؛ بل هو شعب ديني" (ص: 150).
أضف إلى ذلك: مايك سمرون (الذي يحلم بفندق أو قصر في القدس أو الخليل أو بيت لحم)، و"البروفيسور-بن يهودا" الذي يرفض العلاقة مع الأغيار. والحاخام الذي يفتي بـ "جواز الزنا خارج المستوطنة" (ص: 46). و"سليمان شاهين" العربي من اللد، والمعمر العربي "سليمان الهزيّل"؛ .
ثانيًا: الأمن فوق كل شئ والجميع في خدمته:
 ويتجلى ذلك في شخصية "البروفيسور-خبير الآثار" الذي يوظف علمه في خدمة الجهاز الأمني المخابراتي بشكل خاص، وأمن الدولة بشكل عام. ولأن الدولة السائد هو تزوير التراث والحضارة، فإن "القطعة الأثرية أهم من كتاب مقدّس" (ص: 19)، وأن "الدولة تسرّب للناس ما تريد وتخفي عنهم ما تريد" (ص: 20). وأما الدولة، بمجملها، فإنها "تدار وفق النظرية الأمنية التي أفلحت في استمرار وجودها" (ص: 62).
ثالثًا: مجتمع متعدد الثقافات:
ظهر ذلك على مستوى الأسرة الواحدة، التي تتشكل من زوج عربي الأصل والفصل، ويسعى إلى إخفاء ذلك، وزوجة قادمة من بلاد ما تحاول الالتصاق بالصهيونية وبالدولة العبرية لتجد لنفسها مكانًا وانتماءً تحت الشمس، والإبنة "إستير" الملتقطة من شاطئ يافا التي لم يجهد أبويها (بالتبني) نفسيهما للبحث عن أصولها القريبة والبعيدة. وإستير هذه "عندما أصبحت إنسانة أقل يهودية، رأت ما يراه الأذكياء" (ص: 79). وأما والدتها "بالتبني" فهي تعيش "تناقضات تعشعش في دماغها منذ أن دخلت جامعة بار إيلان" (ص: 81).
وفي المجتمع هناك "مسلّم أسأر" الطبّاخ اليمني، القادم بثقافة يحن إليها ويصعب عليه التخلي عنها، كأنموذج لليمنيين "وعددهم (49,000) فرد، نُزِعوا من اليمن بين يونيو 1949 وسبتمبر 1950 بطائرات أمريكية، بـ (380) رحلة جوية، وقيل لهم أنهم ذاهبون إلى أرض الرب" (ص: 51-52).
وهناك شخصيات ثانوية أخرى، مثل: "سليمان شاهين"؛ المحامي العربي-اللداوي المتمسك بحقوق شعبه، وهو الوحيد من الشخصيات المحيطة بالبطل، صاحب الهوية الواضحة التي لا لبس فيها، والذي بقي "مرتبطًا بشكل متين بمجتمعه العربي في اللد" (ص: 77)، ويدافع عن "حي بيارة مطير بمدينة اللد" في مواجهة المستوطنين وشرورهم (ص: 90). وعائلة "مطير" هم المالك الأصلي للبيارة، وهم عائلة عريقة كانت تمتلك الكثير من أراضي يافا، قتلَ معظم رجالهم، وصودرت أراضيهم (ص: 124-129)، وتاجر الألماس "نوعام مزراحي".
وهناك ثقافة مشبعة بالإنسانية يتمتع بها المجتمع العربي، كوالدة "سليمان شاهين" السيدة الفاضلة التي توفّر لإبنها جميع سبل الراحة والطمأنينة، وهو يبادلها نفس المشاعر، لدرجة أن وفاتها، التي تمت بصمت وبدون ضوضاء، آلمته ألمًا شديدًا. يضاف إلى ذلك "الشيخ سليمان الهزيّل" الشخصية العربية، التي يندر تكرارها في التاريخ؛ فهو من مواليد 1860م –أي يكبر الدولة العبرية بنحو تسعة عقود من الزمن-، وقد تزوّج من أربعين امرأة، وأنجب ستة وثمانون إبنًا وإبنة، قبل أن يتوفى في العام 1980 (ص: 144). وفي ذلك إشارة إلى تجذّر الفلسطينيين في أرضهم، التي بنوْا عليها حضارتهم، كابرًا عن كابر. 
والدولة، من جانبها، "تعيد كتابة التاريخ، وتشكيل المتحف لتقدم الآثار وفق ما تراه، وهي التي تدفع لكتّاب التاريخ، وللمؤرخين، مقابل إثارة قضايا تخدم المشاريع السياسية في المستقبل" (ص: 50)، ومن بين هؤلاء كانت "نتالي فريدمان" التي حازت على منحة الدكتوراة من "آل روتشيلد" (ص: 153)؛ الذين قامت الدولة العبرية على أموالهم. وهنا، أجد من الجميل استحضار ما يقوله كاتب الرواية "إياد شماسنة": "الثعلب الماكر يكسر بيضًا كثيرًا؛ لأنه لم يستطع التهامه" (ص: 73).
وتكون نتيجة ذلك إخفاء العديد من الحقائق حول المجتمع العربي؛ صاحب الأرض الأصلي، الأمر الذي شكل صدمة عنيفة لـ "إيستر" عندما اكتشفت أن "في البلاد عربًا ودروزًا ومسيحيين ينتمون إلى ترابها، يتحدثون عن حكايات مرّ عليها مئات السنين". كما تخفي العلاقة التاريخية بين اليهود والعرب في الخليل، الذين كانوا "أخوة في الرضاعة" (ص: 143).      
بين "الرقص الوثني" و"عائد إلى حيفا" خيط رفيع
بعد أن تتدحرج الأحداث في الرواية وتتتابع، وصولًا إلى غرفة البروفيسور وأسئلة بطلة الرواية "إستير" (ص: 113)، تبدأ ملامح العقدة بالتشكل أمام القارئ، ويبدأ بملامسة الحقيقة، فيغرق في القراءة الحثيثة والمتواصلة للوصول إلى ذروة الحدث وقمته. وبالعودة إلى رواية "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني، يبدأ الربط بين أحداث الروايتين؛ لاستكشاف نقطة الاشتباك بين العقدتين؛ متى تفترقان ومتى تلتقيان.
في النهاية يجد القارئ نفسه أمام رواية "الرقص الوثني" وقد وظّفت "عائد إلى حيفا" كحيلة روائية فنية،  تلك الرواية التي  روت عن واحدة من أوجه الصراع على هذه الأرض، عبر العقود السبعة من الزمن، منذ "خلدون-غسان كنفاني" الذي نسيه والديه إبّان النكبة في العام 1948، فتم تهويده بالكامل، مرورًا بـ "بن يهودا" الذي يعلم جيدًا أنه عربي الأصل والفصل، وصولًا إلى "إستير" –ضابط الاتصالات- المشاركة في الحرب على غزة في العام 2014، التائهة عن جذورها، والتي تفتقد أي شعور يربطها بالأسرة التي ربّتها، فتجنح نحو سليمان بن شاهين العربي، كما أنها ترفض الدولة التي تعيش تحت ظلالها، حينما تكتشف كم هي فظيعة هذه الدولة في تعاملها مع النفس البشرية، وكم هو منعدم الأخلاق ذلك الجيش الذي انتسبت إليه.
وبقراءة متمعنة للروايتين، نجد أن هناك خيطًا رفيعًا بينهما، فهما تلتقيان في خطف الفلسطينيين وتهويدهم، وتوظيفهم لخدمة عدوّ آبائهم وأجدادهم، كما في "خلدون-غسان كنفاني" و"بن يهودا-إياد شماسنة". وبالمقارنة بين الروايتين نجد أن شماسنة قد أضاف إلى "عائد إلى حيفا" عددًا من المسارات، أهمها وأكثرها وضوحًا، أن "إستير" هي التي تبحث عن جذورها وتسعى إلى العودة إليها، عندما ترفض الواقع المعيش وتسعى إلى التمرد عليه، أو الخلاص منه بشتى السبل حتى لو كان بالانتحار.
عندما فتحت "إستير" غرفة والدها -البروفيسور الذي يحمل إسم بن يهودا- وجدت فيها مذكرات كتبت بلغتين، لمحت فيها أسماء: سعيد، خلدون، دوف/ ديفيد، صفية، كما قرأت بأنه تم تسمية "خلدون" ديفيد، وبعد زواجه أصبح بإسم "يهودا"؛ وهو والد البروفيسور "بن يهودا" (ص: 148). وتأكدت "إيستر" من حقيقة الأمر، عندما عرفت أن بنيامين (والدها بالتبني) هو بن يهودا/ ديفيد/ دوف أو خلدون بن سعيد العائد إلى حيفا (ص: 150).
هنا، بدأت "إستير" تبحث عن الهويّة، في أجواء يصفها الكاتب بالقول: "البحث عن الهوية مثل البحث عن الحرّيّة: كلاهما مرّ ومعقد (ص: 141). فتبدأ "إستير"، بمرافقة صديقها "سليمان شاهين" في البحث عن والدي خلدون –يهودا- "سعيد وصفية" (ص: 172-173)، إلى أن وصلا إلى المخيم الذي يقطنه والدا خلدون: "سعيد"  و"صفية". وقد توفي سعيد، ثم تبعته صفية بعد سنة، بعد أن أصابتها الحمى لثلاثة أيام، حيث تحدثت –وهي تهذي- عمن مروا بها ممن مات منذ زمن، فاستحضرتهم جميعًا، وقامت "فاتن" التي كانت مرشحة خطيبة للأسير خالد –شقيق خلدون- بتسجيل حكايات صفية، التي أوصت الناس بالمحافظة على المفتاح حتى يعودوا إلى حيفا (ص: 292-293).
هكذا، يتبين لنا الخيط الواصل بين الروايتين، لتكون "عائد إلى حيفا" جزءًا من "الرقص الوثني" بل فصلًا من فصولها، يضاف إليه فصول أخرى تكشف المستور والمفضوح مما يجري في الدولة العبرية، التي يرقص كولونيالاتها رقصًا وثنيًا على دماء مجتمع تلك الدولة، من مختلف الشرائح والفئات.
خلاصة القول.. والأسئلة الحائرة
لا يمكن مغادرة هذه القراءة النقدية قبل أن نشير إلى أن هذه الرواية ألقت حجرا في مياه راكدة لتستفز العديد من الأسئلة، وتضعنا أمام تحديات الإجابة، وخصوصا في ظل الرواية الأخرى المزورة. ومن هذه الأسئلة: كيف تم بناء الدولة العبرية، القائمة على التزوير في كل شئ: الأرض التي تم سرقتها، والإنسان الذي تم تهويده و/أو أسرلته، والتراث الذي تم العبث فيه إلى أبعد حد، من أجل قطعه عن جذوره؟
الآن، تجتمع على هذه الأرض كل الموبقات؛ تل أبيب، التي هي ضاحية من ضواحي يافا –حاضرة الشرق-، أصبحت "مدينة الخطيئة الجديدة"، وحيفا التي تضم "حانة روادها أزواج مثليون، سحاقيات، أزواج متباينو الجنس، أزواج مختلطون: عرب ويهود" (ص: 152-153). وفي ذلك إمعان في مسخ هذه الأرض وانتزاعها من هويتها الدينية والإيمانية للديانات الثلاث.
ويتبع ذلك مجموعة من الأسئلة الفرعية، ذات الصلة، منها: هل يمكن لهؤلاء الناس العودة إلى جذورهم بعد حين، أم يصابون بانهيارات ويستسلمون لواقعهم إلى أن يغادروا هذه الدنيا وتطوى أسرارهم معهم؟ وإذا عادوا إلى جذورهم الأولى، فهل سيكون مجتمعهم الجيني على استعداد لاستيعابهم كما هم، دون التشكيك في هويتهم وانتمائهم، ودون المساس بكرامتهم الإنسانية؟
لعله ينبري لنا من يحاول الإجابة على هذه الأسئلة، جزئيًا أو كليًا، مشيرًا إلى أن هذه الدولة، بمجتمعها وأفرادها، قامت على القوّة "المفرطة"، والمال بأرقام فلكية، والدعم المطلق من الغرب والشرق. وأن ذلك كلّه مكّنها من صياغة نفسها على حساب الشعب الفلسطيني، الذي خطفوا أرضه ومياهه وثرواته وحضارته وتراثه، وحتى تم "تهويد" و"عبرنة" كل من تم الوصول إليه من أبنائه. وطالما أن الدولة العبرية على هذا القدر من الإمكانيات والقدرات الهائلة، سوف تبقى الأسرار غائبة وسط ضوضاء وضجيج عنجهية القوة والمال والسلاح.
وعليه، وإلى أن تهدأ الأمور، وتعود إلى نصابها، بعد زمن قد يستمر لعقود أخرى من الزمن، لا بد من المراجعة والكتابة والتوثيق وتوظيف المعلومات التاريخية في الأعمال الأدبية المختلفة؛ نثرًا وشعرًا.
وتأتي رواية "الرقص الوثني" التي قمنا بتحليلها، ضمن هذا السياق، لتصطف إلى جانب الروايات الفلسطينية الجادّة، التي تسبر غور التاريخ، وتسعى إلى الصدام المباشر مع الحقائق المرّة التي تجرعها شعبنا عبر الأجيال، بما له وما عليه. فإذا كان "إدريس العتيق" يمثل الوجه البشع الخارج على القيم الوطنية، الغارق في العالم السفلي، والخادم للاحتلال، فإن "إستير" تمثل مدن فلسطين وقراها وتاريخها وحضارتها، التي ترفض الرضوخ، وتلفظ من يجثو على صدرها بثقله العنصري الخالي من المثل والأخلاق، وتلتصق بصاحب الحضارة والتراث والتاريخ، وتسعى لإعادة الالتحام به بالزواج؛ لإعادة إنجاب البدائل لما تم تشويهه وتزويره.        
فلسطين، بيت لحم، العبيديّة، 26/10/2017م



[1] صالح، عبد السلام (2009). صرّة المر (رواية). الفارابي. ص: 87.

إرسال تعليق Blogger

 
Top