0
نشر في صحيفة القدس المقدسية، بتاريخ: 22/05/2015م، ص: 18

                                                         عزيز العصا
عبد الغني سلامة؛ كاتب فلسطيني يكتب في شتى المجالات: السياسية والفكرية والثقافية والقصصية. كتب المقال، وألّف الكتب، ونشر الأبحاث، وفوق كل ذلك متخصص في المختبرات, وقد عرفته وهو يدير مختبر الأغذية في وزارة الاقتصاد الوطني.
أردت بهذا التقديم الالتفات إلى أننا أمام كاتب مجرّب في دروب الحياة ودهاليزها وخباياها وخفاياها. لذلك؛ لا يمكن فصل شخصيته, ككاتب, عن النصوص التي تقرأها له.
أما الجنس الأدبي, الذي نحن بصدده, لهذا الكاتب فهو كتابه بعنوان: "قبل أن ترحل"؛ وهو عبارة عن مجموعة قصصية تتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة، تتوزع على (179) صفحة من القطع المتوسط, إصدار الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين للعام (2015).
قبل أن تلج في السطر الأول من القصة الأولى لهذه المجموعة, يومئ إليك "عبد الغني" بأن بين دفتي كتابه هذا "حكايات مخبّأة تحت رمال الصحراء". بذلك؛ يصعّب المهمة على القارئ الذي ينوي قراءة قصصه هذه قراءة متمعنة؛ إذ عليه أن لا يتوقف عند النصوص التي بين يديه، وإنما هناك معانٍ لما وراء النص بحاجة إلى جهد؛ كمن يفتش عن جوهرة  مخبأة تحت رمال الصحراء، بحرارتها الشديدة ومساحاتها الشاسعة، ورمالها المتحركة؛ التي لا يسيطر عليها إلا من خبر الصحراء، بتعقيداتها وجمالياتها وما فيها من خصوصيات.
لكي يوفر للقارئ ما يشبه إشارات توجيهية وتحذيرية على طريق القارئ للقصص الـ (25)، يشير "عبد الغني" إلى أن قصصه تلك قد تكون من وحي الخيال أو حدثت فعلاً. كما يشير إلى الفلسفة الخاصة التي احتكم إليها، والتي تتلخص في رؤيته القائلة بأن "مأساة الإنسان واحدة, في كل مكان" وانه "علينا أن نتمثل معاناة الآخرين وأن نحس بهم".
لقد التزمت بتعليمات الكاتب؛ فشرعت بقراءة قصصه، كاملةً، لأجد أنها ذات بنية مكانية ممتدة ما بين  فلسطين (وطن الكاتب)، حتى "أنابوليس" والمسيسبي في قارة أمريكا الشمالية، مرورًا بأفريقيا وأوروبا وسيبيريا وبلاد الإسكيمو. أما البنية الزمانية، لهذه المجموعة القصصية، فقد امتدت من مطلع القرن الحالي (الحادي والعشرين) إلى أيام الكنعانيين، وما تعرضوا إليه من اعتداءات من قبل الإغريق والرومان والأشوريين، كما في قصة "سيزر الكنعاني"، مرورًا باحتلال العراق من خلال قصة "أبو تغريد"، والانتفاضتين الفلسطينيتين: الأولى والثانية، والعمل الفدائي في لبنان وسوريا والأردن، والنكبة وما جرى في سيراليون والبوسنة والهرسك من حروب أهلية. واندمجت هاتان البنيتان في بنية "زمكانية" لتشكل للقارئ، من جميع الأجيال، مكونًا ثقافيًا ومعرفيًا هو بأمس الحاجة إليه. وبعد القراءة المتمعنة وجدت أن هذه المجموعة القصصية تتوزع على عدد من المحاور والمرتكزات، منها:
أولًا: القضية الوطنية:
فقد استعرض الكاتب جانبًا مما تعرض له جيل العمل الفدائي من ضنك وقسوة، عندما انطلق الفلسطيني يفتش عن بندقية يحملها للدفاع عن كرامته الوطنية، ولاستعادة وطنه السليب. ففي قصة "جمال" وجدنا كيف تعددت الروايات حول حجم الأذى الذي تعرض له الفدائي في مواجهته مع الاحتلال، وفي عدد من الدول العربية، لينتهي أمره بإرسال بطاقة إلى زوجته، يقول فيها: أعتذر يا حبيبتي لعدم تمكني من مشاركتك فرح الولادة؛ فأنا مشغول بموتي"، أما هي فأنجبت ولدًا أسمته "جمال". وهكذا تستمر الشعلة متقدة من جمال-الأب إلى جمال-الإبن.
كما أبدع في وصف الفقر والفاقة والعوز الذي تعرض له أبناء شعبنا، من خلال قصة "مجرد أصدقاء قدامى" التي ظهر فيها الفقر والتشرد والبؤس الذي تعرض له اللاجئ الفلسطيني، بأقسى أنواعه وأشكاله، حيث واجه الآباء والأمهات ذلك بالضغط على جراحهم الدامية من أجل تعليم أبنائهم، والكد والتعب من أجل تمكينهم من سد الرمق الذي يبقيهم على قيد الحياة.
وأما قصة "يوميات أبو عماد" فقد صورت إصرار الفلسطيني المشرد على العمل المتواصل، ليل نهار، دون كلل أو ملل، من أجل تربية أبنائه وعلاجهم وتوفير سبل العيش الكريم لأسرته، إلى أن قضى نحبه، خارج غرفة نومه؛ وهو على رأس عمله من شدة البرد دون أن يرى أي شكل من أشكال السعادة. وفي قصة "أحلام مشلول"، يستعرض آلام وعذابات طفل تعرض لانفجار لغم سرق منه رجله؛ ليحيله إلى خشبة يحملها الآخرون بتأفف وعصبية.
ثانيًا: القضايا العالمية:
لم تقتصر القضايا التي تطرق لها "عبد الغني" في مجموعته القصصية هذه على الهم الوطني أو الهم القومي، وإنما انطلق بنا لاطلاعنا على ما دار في العالم من خير وشر، أيضًا. ففي قصة "جامعات الأعشاب" يبين حجم الظلم الذي أوقعته الكنيسة على أتباعها الذين لا يستجيبون لخزعبلات وأكاذيب رجال الدين. وفي قصة "آخر نصف ساعة من حياة هندي أحمر" يسرد لنا قصة قبيلة "الأباتشي" التي تحمل اسمها أحدى أنواع الطائرات المقاتلة، وزعيمها "بلاك هوك" الذي أطلق اسمه على نوع آخر من تلك الطائرات.
وهناك مجموعة قصص عالمية تشترك، فيما بينها، في وصف الحروب الأهلية المجنونة، والظلم المفرط الذي يمارسه المتحاربون، عند انتصار أي منهم على خصمه، والتمييز العنصري، بخاصة الممارس ضد السود من قبل البيض، سواء في أفريقيا نفسها (موطنهم الأصلي)، أو في أمريكا التي سيقوا إليها عبيدًا، ويتضح ذلك في القصص التالية: "في الطريق إلى جوهانسبرغ"، و"حروب غبية" و"3 غرباء في جزيرة"، ويصل التمييز العنصري والامتهان بالإنسانية ذروتهما في القصص الثلاث المستوحاة من "وحي رواية الجذور"[1].
من جانبٍ آخر؛ نجد أن "عبد الغني" ساق قصة عالمية بعنوان "الحب في بلاد الإسكيمو"، التي تتطرق إلى طريقة حياة الإسكيمو الذين يعيشون في ظروف جوية متطرفة في البرد؛ حيث يستمر فصل الشتاء المشبع بالثلوج لمدة ستة أشهر (من أيلول إلى آذار)، وتتضمن هذه القصة علاقة حب صادق تنتهي بالحبيبين في غاية الدفء، في قبة ثلجية تسيح جدرانها ببطء.         
ثالثًا: الظلم الاجتماعي:
بالإضافة إلى الظلم والقهر الذي يتعرض إليه الإنسان، جراء الحروب والتمييز العنصري، أورد "عبد الغني" مجموعة قصص أبرز فيها انعكاسات الظلم الاجتماعي الموجه من قبل المجتمع ضد الفرد، فيما يشبه التمييز وفق الاعتبارات التالية:
1)      العمر: كما ورد في قصة "ذاكرة سبعيني"، الذي فقد ذاكرته منذ عشر سنوات، ثم أخذ ينتظر الموت بفارغ الصبر، دون أن يجد من يرعاه ويحفظ كرامته.
2)      الجنس: كقصة "أمينة"، التي دفعها والدها إلى الرسوب المتكرر في المدرسة، وحرمها من الزواج؛ لكي تتفرغ لخدمة أشقائها (الذكور) وأبناءهم وأحفادهم، الذين أخذوا يسخرون منها عندما لم يعودوا بحاجة إليها، فتمنت "أن لا يطلع عليها الصبح".
3)      الشكل: فقد كان لشكل الفتاة في قصة "بهية" بالغ الوضوح في كشف مدى هشاشة القيم المجتمعية والأسرية اتجاه فتاة دميمة، رغم ذكائها ورجاحة عقلها، ولم تجد سوى الـ "مطلقة" التي جعلت منها روائية تكتب لأناس ليس لهم أشكال محددة؛ فهم من أطياف نورانية. 
رابعًا: يعالج قضايا الساعة:

خصص "عبد الغني" عددًا من قصص مجموعته هذه لعرض قضايا الساعة في المجالات السياسية والاجتماعية والعقائدية. ففي قصة "إبراهيم" يشير إلى التطرف في الاعتقاد لحد أنه اعتقد بأن إسمه "إبراهيم" جعله يعتقد في نفسه بالنبوّة؛ فقاطع التكنولوجيا المعاصر، بأشكالها كافة، وذبح إبنه؛ لأنه لم يُفتدَ بكبش ولا حتى بدجاجة، وانتهى أمره في غياهب السجون، وهو مؤمن بأن الله (سبحانه) سيرسل له ملائكته لتحمله على أجنحتها وتحرره.
وفي قصص: "تأتي أو لا تأتي"، و"درويش المنسي" و"مجرد أصدقاء قدامى" يستعرض الكاتب التطورات والتغيرات التي تجتاح الأصدقاء والمعارف بعد ربع قرن من الزمن، وكيف أن هناك تغيرات جوهرية تحصل في علاقات الدراسة والزمالة، نتيجة اختلاف الشريحة الاجتماعية و/أو الحضارة الجديدة التي يعيش الفرد في كنفها بعد مغادرته صف المدرسة، بالإضافة إلى الشهادات التي يحوز عليها، والتي تجعل منه إنسانًا مختلفًا عن ماضيه.
وفي قصة "أبو تغريد" التي تصور حياة فنان عراقي عمره نحو ثمانية عقود من الزمن؛ قادم من العصر الملكي، مارًا بالأنظمة المتتابعة على حكم العراق، حتى حُكْم الطوائف الحالي، حيث (جُرِف) شارع المتنبي (شارع الكتب والمعرفة)، وأصبح العراقي يُذبح على الإسم على الحواجز الطائفية. ويرسم "أبو تغريد" خارطة للعراق: تحيط بها موجوعة من الذئاب، وتخرج من داخلها الضفادع والعقارب، وفي الأفق أسراب من الجراد، ثم يهوي هو وصديقه أبو شهاب صاحب الكاميرا في نهر دجلة، إلا أن شابين صغيرين قفزا للنهر؛ فالتقطا الخارطة والكاميرا.. وهكذا تنتقل مسؤولية إنقاذ العراق إلى الجيل القادم، ليحميها من الذئاب والعقارب والجراد.
أما القصة التي تناقش موضوع الساعة، والتي تبدو من وجهة نظر الكاتب الأكثر إلحاحًا، فهي قصة "قبل أن نرحل"، التي جعلها عنوان مجموعته القصصية، فتدير حوارًا رائعًا بين القوى الطاردة للعقول نحو الهجرة إلى بلاد الغرب والمتمثلة في وصف جمال تلك البلاد والأمن والأمان هناك، وما يقابله عندنا من خطر على حياة الفرد، وعدم طمأنينة للمستقبل، وبين القوى الجاذبة؛ التي تبقي الفرد في وطنه؛ تتمثل في الأحداث القاتلة التي تجري لمن غادر وطنه وهام على وجهه بلا هدى، وكذلك متعة المواطنة والكرامة الوطنية التي لا تتحقق إلا في حضن الوطن، وينتهي الحوار بأن يفضل المرء شروق الشمس على وطنه؛ لأنها تمنحه الحياة الحرة الكريمة.          
الخلاصة:
لقد أمضيت بضع ساعات في قراءة هذه المجموعة القصصية لكاتبها "عبد الغني سلامة"، وبضع ساعات في الكتابة عنها، لأخرج بنتيجة مفادها أننا أمام مجموعة قصصية تحمل الكثير من البيانات والمعلومات، في شتى المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمعرفية التي تنم عن سعة اطلاع الكاتب، الذي استطاع أن يسرد قصصه علينا، وهو يدرك الأثر الفردي والجمعي لتلك القصص التي تضيف إلى قارئها ثقافة واسعة، كما تضعه أمام مسؤولياته اتجاه الظلم الاجتماعي الذي نمارسه، من حيث ندري أو لا ندري، اتجاه الآخرين، وقد اخترت قصة "أحلام مشلول" لأختم بها تعليقي وقراءتي هذه، عندما يضيق المجتمع بمن دفع من جسده ثمن ألغام الحروب المجنونة، مما يدفعه إلى التحليق في خياله نحو مدينة يهندسها معاق حركيًا وجميع سكانها وشرطتها معاقين. إلا أنه، في النهاية، يدعو إلى العيش الكريم، بعد أن وهبه رفيقه المتوفى خمسة عشر عامًا من عمره.
بالعودة إلى غلاف الكتاب الذي يضم هذه المجموعة القصصية، نجد أن "عبد الغني سلامة"، يكشف سر "الحكايات المخبأة تحت رمال الصحراء" من خلال أطول قصة في مجموعته القصصية هذه، وهي بعنوان: "مجرد أصدقاء قدامى"، التي تشير إلى الشتات الفلسطيني، في الوطن والمهجر، فكل من في الشتات يحكي حكايته التي بدأ
ت ببؤس التشرد والهجرة والمخيم، وانتهت بما هو عليه حاله الآن، أما الفلسطيني الذي عاد إلى الوطن، وخاض تجربة الاعتقال والمواجهة المباشرة مع الاحتلال، فإن حكايته حكاية الناس العاديين؛ تلك "الحكايات المخبأة تحت رمال الصحراء"، تعبيرًا عن عمق الصراع وإطالة مداه الزمني وازدياد تعقيداته يومًا بعد يوم.
بقي القول بأن في هذه المجموعة القصصية ما يجب أن يطلع عليه طلبتنا في مدارسهم، بعد أن يعاد النظر في بعض الأخطاء الشكلية، لما فيها من عمق الفكر، وسلامة المعنى، ووضوح الهدف، ودقة التعبير، ومنهجية السرد التي تشير، في عدد منها، إلى ثيمة روائية بحاجة لمن يوسّع آفاقها، ويعدد شخصياتها لتصبح رواية، تقود القارئ نحو نهاية تضيف إليه ما هو جديد من معرفة وثقافة تنقصه، أيًا كان عمره أو مستواه الثقافي والمعرفي.   
 فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 22/03/2015م



 




[1] رواية لكاتبها "أليكس هايلي"، وقد استوحى منها "عبد الغني سلامة" في مجموعته القصصية هذه ثلاث قصص، هي: كيزي.. ستُظلمين أمام عيني، عزف الكمان، وانتحار ثلاثون عبدًا.

إرسال تعليق Blogger

 
Top