0

نشر في صحيفة القدس المقدسية، بتاريخ: 06/05/2015م، ص: 17
                                                         عزيز العصا
منذ نحو خمسين عاماً كان العالم بأسره يسير على نهجٍ واحدٍ وهو وضع الأشخاص ذوي الإعاقة في مؤسسات مغلقة وعزلهم عن أسرهم ومجتمعهم... منذ تلك الفترة، حتى اللحظة، تسابقت الدول والمجتمعات المختلفة في تطوير خدماتها للوصول إلى وضع الاستراتيجيات المختلفة للتعامل مع هذه الفئة. وكان لهذه الاستراتيجيات مؤشرات تدل على مدى تقدم المجتمعات أو تأخرها. ويكمن معيار تقدم أي مجتمع في مدى قدرة ذلك المجتمع على دمج الأشخاص ذوي الإعاقة، بأسرهم ومجتمعاتهم، ليكونوا أعضاء فاعلين في تقدم مجتمعاتهم في المجالات كافة.
أما في فلسطين بشكل عام، وفي القدس بشكل خاص، فقد انطلقت مؤسسة الأميرة بسمة في العام 1965 بدءًا بتقديم مركزها للخدمات التمريضية والعلاج الطبيعي، وتزويد المنتفعين بالأجهزة المساندة فقط، ولم يكن هناك متخصصين محليين في مجالات التأهيل الأخرى، وابتدأت المؤسسة تستقطب متطوعين أجانب للعمل في هذه المجالات.
منذ ذلك الحين، حصل تطور على المحاور كافة حتى أصبحت المؤسسة تتكئ على أربعة أقسام تجعل منها، مجتمعة، مؤسسة قادرة على ترك الأثر الطيب في نفوس كل من يتعامل معها أو يعرف عنها. وإذا ما علمنا بأن هناك أكثر من (1,000) شخصٍ يتحركون، يوميا، في أقسامها المختلفة من الفلسطينيين؛ من المقدسيين وأولئك القادمين من الضفة وغزة، فإننا نستطيع، حينئذ، تقدير ذلك الأثر الذي تتركه هذه المؤسسة لدى المجتمع الفلسطيني. أما الأقسام الأربعة، التي تجتمع معًا تحت قبة هذه المؤسسة، فهي:
أولًا: قسم تأهيل الأطفال: يقوم بتأهيل حوالي (500) طفل سنويًا (ضفة وغزة)، القدس، والباقي من القادمين من الضفة الغربية وقطاع غزة. ومن بينهم، حوالي (50) حالة "شلل دماغي"، وحالات أخرى تعاني من: التوحد, التشوهات الخلقية, والبصرية والسمعية... الخ.
ثانيًا: عيادة العلاج الطبيعي للبالغين: إذ يتم تنفيذ (8-12) جلسة لكل فرد يتم تحويله إلى هذه العيادة التي تنفرد بوجود علاج مائي.
ثالثًا: الورشة المحمية: وهي ورشة التأهيل المهني للأشخاص ذوي الإعاقة من القدس   لبناء قدراتهم وتأهيليهم لينتهي بهم المطاف منتجًين وفاعلين في المجتمع ، وقادرين  على إعالة أسرة وبإمكان المعني بالأمر أن يرى بأم عينه تلك الإبداعات التي أنجزها ذوي الإعاقة وأنزلوها إلى السوق لينعم بها الجميع.
رابعًا: برنامج التعليم الدامج "روضة ومدرسة الأميرة بسمة المختلطة": وتضم المدرسة (600) طالبًا وطالبةً، نحو ثلثهم من ذوي الإعاقة، وبكامل التجهيزات اللازمة لتقديم الخدمات "التعليمية والعلاجية" كافة. وهي مدرسة نموذجية؛ تخوض غمار التعليم "الدامج أو الجامع" بمعناه الدقيق.
و"التعليم الدامج" هو استراتيجية اتبعتها المؤسسة منذ زمن، وكانت أول من طرحها على مستوى الوطن الفلسطيني، وعندما أصبحت الفكرة مقبولة لدى صانعي القرار، كانت مؤسسة الأميرة بسمة هي المكان الذي طبقت فيه الفكرة عمليًا، كحالة تجريبية-استطلاعية (Pilot)، وانتهى الأمر بها وقد طبّقت هذه الاستراتيجية التربوية-التعليمية الرائدة؛ التي تخلق علاقة احترام وتقبّل متبادلة بين جميع طلبتها؛ عندما يعيشون تحت سقف واحد.
وبشأن الدمج بين الطلبة؛  فإنه يتم بناءً على قناعة الفريق الطبي المشرف على الطالب، يتم تحوليه للتعليم العادي. وأن هناك طلبة من ذوي الإعاقة في كل صف وفي كل شعبة، تشمل: الإعاقات الحركية، والسمعية، والنطق. ويوجد في المرحلة الأساسية شعبتان، بمستوى الصفين الخامس والسادس الأساسيين، ممن يعانون من صعوبات تعلم، ومن يتقدم يتم دمجه في الصفوف مع الطلبة العاديين.
حيث هناك عملية متابعة، متواصلة بدون انقطاع، لكل طالب من ذوي الإعاقة على مستوى فردي، من قبل الأخصائيين التربويين والمعالجين؛ بهدف تمكينه ودمجه الكامل في المجتمع. ويتم دمج أطفال من ذوي "اضطرابات طيف التوحد" في رياض الأطفال بعد أن تم تأهيلهم.
ومن خلال قراءتها الدقيقة لما يدور في القدس، قامت "مؤسسة التعاون" في هذا العام (2015)، بمنح جائزة "مدارس متميزة لمستقبل مشرق" لـ "مدرسة الأميرة بسمة الثانوية" والتي منحها "نبيل هاني القدومي".
إذا ما علمنا بأن "القدومي" يؤمن "أن التعليم أساس التحرر والتقدم"، فإننا نتوصل إلى قناعة مفادها أن هذه المدرسة قد جمعت المجد من كل أطرافه؛ بأننا أمام مدرسة توفر لطلبتها التعليم المؤسِّس للتحرر والتقدم، كما أنها تحمل شعلة وضّاءة نحو مستقبل مشرق للقدس وأهلها، ولفلسطين وشعبها الباحث عن الحرية والساعي إلى إقامة دولته الحرة المستقلة.
ومما يعزز هذا كله، أن مدير المدرسة (أ. وسيم علي) ألقى كلمة أثناء حفل استلام الجائزة، خص فيه الطلبة التوحديين بالذكر، باعتبار أنه لذوي الإعاقة، أيًا كانت إعاقته، الحق في التعليم. ولا أعتقد أن أحدًا يمكنه القول بأنه من السهولة بمكان أن ننقل من هو مصاب بالتوحد إلى الحياة العادية! فالأمر بحاجة إلى إيمان وقدرة فائقة على العمل المتواصل، على مدار الساعة، لتحقيق هذا الإنجاز العظيم.  
كلمتنا الأخيرة
لقد زرت هذه المؤسسة وشاهدت بأم عيني، كيف تتحقق الأهداف على أرض الواقع، من خلال تلك الإمكانات الضخمة التي وفرتها المؤسسة لذوي الإعاقة وأسرهم وللمجتمع المحيط بهم، القادمين من أرجاء الوطن الفلسطيني كافة. وأن العاملين في هذه المؤسسة يعملون كخلية نحل؛ لكل دوره الذي يتقنه، إذ يتم تنفيذ العلاجات المختلفة، على أكمل وجه، وتختتم تلك العلاجات بالعلاج الترفيهي الذي يُخرج المقيمين من حالة الملل والكآبة، إلى عالم الأمل والتفاؤل.
وأما الصورة الأكثر إشراقًا، فتتمثل بالمعالِجات وهن يقمن بعملهن، بمنتهى الصبر الأناة، بعملية مزدوجة؛ علاج الطفل وتدريب أمهو في قسم التوحد الذي يضم ستة أطفال فقط، يقوم على خدمتهم ومتابعتهم مجموعة موظفات متخصصات، يتابعنهم، فردًا فردًا، حتى الوصول به إلى الصف المدمج، والتي بعدها ينطلق في حياته الطبيعية؛ كفرد منتج في أسرته ومجتمعه.
وفي الورشة وجدت خليطًا من ذوي الإعاقة الذين يعملون، معًا، في تصنيع الأثاث والمصنوعات الأخرى الجميلة التي يمكن لكل أسرة أن تقتنيها وهي تزهو بها كصناعة وطنية محلية، من تصميم وتنفيذ ذوي الإعاقة الذي حولوا آلامهم وعذاباتهم إلى أمل يبثونه فينا؛ كلما نظرنا إلى إنتاجهم الرائع.
مسك الختام، يتمثل في المدرسة التي حضرت فيها حصة للغة الإنجليزية لمستوى الصف الرابع الأساسي، لأجد أن هناك أربع حالات من ذوي الإعاقة قد تم تحويلها إلى هذا الصف، وقد تواجدتْ معهم معلمتهم المتخصصة لمتابعة احتياجاتهم، إلى جانب معلمة الصف. وعندما دار النقاش، وجدت أن من تلك الحالات الأربع من هو بمستوى متفوق عند تفاعله مع المعلمة وإجابته على العديد من الأسئلة، وهو يتنافس مع زملائه الآخرين، بمنتهى المتعة والانسجام.
بهذا؛ نكون أمام مؤسسة، تحتفل بيوبيلها الذهبي؛ بمناسبة مرور (50) عامًا على تأسيسها وقد حققت رسالتها وأهدافها بأن أحالت الألم إلى أمل، من خلال أناس آمنوا برسالتهم الإنسانية والوطنية اتجاه من حُرموا من نعمة أو أكثر من نِعَم الحياة التي وهبنا إياها خالقنا جل في عُلاه.
ويبقى القول، أن المقدسيين يحملون على أكتافهم أعباء أبناء شعبهم، وأنهم رغم ضيق اليد وعسر الحال، ينقلوننا من الألم والوجع إلى الأمل والتفاؤل. ويبقى السؤال:  أليس من حق هذه المؤسسات المقدسية على صانعي القرار أن يلتفتوا إليها بعين الرعاية والاهتمام، كما فعلت مؤسسة التعاون مؤخرًا، من أجل تمكينها من القيام بالدور المنوط بها اتجاه المقدسيين بشكل خاص والفلسطينيين بشكل عام. 

فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 04/05/2015م

إرسال تعليق Blogger

 
Top