0

نشر في صحيفة القدس المقدسية، بتاريخ: 26/06/2015م، ص: 18
                                                         قراءة: عزيز العصا
عَبدُ الله دعيس؛ كاتب فلسطيني، كثيراً ما يتحفنا بالنقد والتعليق على أجناس أدبية لغيره من الكتّاب. أي أننا أمام كاتب يعيش وسط الأحداث؛ مشاركاً ومؤثراً وليس مجرد مراقبٍ لها؛ يكتب مشاهداته عن بعد. وفي ذلك إشارة إلى حجم المسؤولية التي تقع على عاتق "دعيس"-الكاتب، ومدى حرصه على توفير خلاصة تجربة، نحن بأمس الحاجة لتوظيفها في رفع المستوى المعرفي و/أو الثقافي لأبناء شعبنا الفلسطيني، من مختلف الأجيال والشرائح.
أما النص الذي نحن بصدده للكاتب "دعيس"،  فهو رواية "لفح الغربة" الصادرة عن دار الجندي للنشر والتوزيع العام 2015، وقد توزعت على (15) عنواناً غطت (219) صفحة من القطع المتوسط، حظيت بغلاف عبارة عن لوحة توثيقية تشير إلى جدار الفصل العنصري الذي مزق الممزق من الأرض الفلسطينية، كما يشير إلى الفلسطيني الذي يدير ظهره لأرضه الجميلة الغزيرة الإنتاج كـ "شقائق النعمان" الفلسطينية الجميلة وغيرها، ويتجه نحو الغربة/ الجدار وما يرتبط بهما من شجيرات جافة متباعدة، تنتشر في أرض قاحلة.
لقد حملت السرديات في ثناياها مشاهد، تتراوح بين القليل من الفرح والمتعة والكثير من البؤس والوجع والألم. إذ تقوم القضية الروائية على صراع مرير بين الخير والشر، وصراع أكثر مرارة بين التقليدي والمعاصر، وهناك اختلاط وتداخلات تضع القارئ أمام لوحة تحمل ملامح من الغموض في بعض الأحيان.
إذ تشير الحوارات المختلفة إلى تمسك شريحة من جيل الآباء والأجداد بالتراث ورفض عصرنته رفضًا قاطعًا حتى الموت. في حين أن هناك من نفس الجيل من يسعى إلى بيع الأرض، والتنازل عن الإرث التاريخي الذي توارثته الأجيال المختلفة. إلا أن الكاتب قد حسم الأمر وأوضحه في أن عناصر الشر تتمثل في الاغتراب عن الوطن، وجدار الفصل العنصري، والاحتلال (بكل أشكاله)، وسماسرة بيع الأرض. ويقابل ذلك عناصر الخير التي تتمثل بالثوار، ومن تعاون معهم ووفر لهم الحماية، ومقاومي بيع الأرض، والمبادرين لإصلاح الأرض والثبات عليها.
إلا أن النتيجة انتهت بسيطرة عناصر الشر وهيمنة سلطة شريرة عبارة عن حالة تلاحم بين الاحتلال والعملاء والسماسرة والمغتربين، الذين أطبقوا على الأرض-الوطن والأرض-الهوية والأرض-التراث، فأحالوها إلى أشلاء ممزقة أفقدتها تاريخها، وغيرت جغرافيتها، ومزقت أوصالها.
وأما من حيث البنية والسرد, فلم يكن هناك شخصيات رئيسية واضحة تتكرر بين النصوص، وإن كان هناك شخصيات "أبو رزق" و"تينة"، وأكثرها وضوحًا الحاجة خضرة المولودة في العام 1914 والتي قضت عن عمر مائة عام؛ أي في العام 2014؛ وهي ترفض المساس بالقديم وهو العلّية التي تشكل رمزية الحب والوفاء والتآلف الاجتماعي والتراحم بين الأهل وما يصحبه من قدرة فائقة على السيطرة على عوامل الخلاف والاختلاف، وغير ذلك من ملامح المجتمع القروي البسيط المتحاب.  
فقد توزعت الشخصيات الثانوية على السرديات المختلفة التي شكلت بنية الرواية وهيكلها، علمًا بأن الربط والترابط بين السرديات لم يكن كافيًا للمحافظة على جعل القارئ يتنقل بين ثنايا رواية، وإنما بدا العديد من السرديات، عبارة عن قصة جميلة وقد تكاملت بنيتها وعناصرها الداخلية، مما يضع القارئ أمام مجموعة من الحقائق التي تضيف لثقافته ومعرفته ما يستحق القراءة وإعادة القراءة، لما فيها من عناصر المتعة والتشويق، كقصة "رزق"؛ الذي كان مصدر فساد وإفساد لأسرته وللمجتمع الذي يعيش فيه، أينما حل وارتحل سواء في وطنه أو في الغربة، والحاج رمزي؛ ذلك الشيخ المخادع الذي تمكن من التحايل على الأهالي وبيع أراضيهم بطرق التزوير.
 أما قصة "رضوان"؛ فتكاد تجمل الحكاية، إذ تلتقي فيها مجموعة من الشخصيات الثانوية التي قامت بدور الرواة المتعددين لنفس الحدث؛ وهو قصة رضوان، فكل راوٍ عرّف "رضوان" وفق سرد حكائي لقصة حياته من زاوية، تختلف كل الاختلاف عن غيرها، حتى يتدخل "حنا" الذي يبلغنا بأن "رضوان" ثائر ووطني قد وثّق للأجيال قصة وطن وقضية تبدأ من العام 1917؛ أي عام وعد بلفور الذي سبق انتهاء الحرب العالمية الأولى التي جاءت بالانتداب البريطاني الذي أنشأ دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية. 
من حيث المعمار الجمالي، فقد كان الكاتب موفقا على مستوى اللغة التي جاءت مباشرة وواضحة؛ لا غموض فيها، موزعة على الفقرات بشكل متوازن ومريح للقارئ. كما أنه كان موفقًا في تناوله للمصطلحات والمترادفات التي لم يتركها غامضة؛ وإنما قام بتفسيرها وشرحها، بسلاسة ويسر دون أن يخدش السرد أو يبعثر سير الأحداث وتتابعها.
وأما العمق المعرفي للنص؛ فقد وجدته يركز على المحاور والمرتكزات التالية التي شكلت الهيكل التراثي والفكري والفلسفي للرواية:
أولًا: مصطلحات ومفاهيم، منها ما يكاد يغيب عن الأجيال ويندثر، ومنها ما هو جديد منبثق عن التكنولوجيا المعاصرة أو جاء به الاحتلال ففرضه على ثقافتنا:
فعلى مستوى القديم، استخدم "دعيس" مفردات مستنبطة من فترة الانتداب، الذي عاشته شخصيات الرواية على مدى ثلاثين عامًا حتى النكبة في العام 1948، التي تشير إلى المستوى الثقافي والحضاري والقيمي، منها:
-          العلّية: بناء قديم يشبه القبة الشامخة.
-          الدار: هي أكبر بيت في الحارة, أمامها ساحة صغيرة تعقد فيها لقاءات أهل الحارة.
-          الطابون، والمفاهيم والمصطلحات الخاصة به، مثل: "قلع الرغيف"؛ وهي عملية استخراج الرغيف من الطابون، و"تزبيل" الطابون؛ وهي عملية إضافة الوقود على الطابون وحرقه كمصدر للحرارة.
-          الدواب: التي كانت وسيلة النقل الوحيدة أو الرئيسية، وما يتعلق بها من "الخَرج"؛ وهو قطعة من الخيش تصمم بحيث تضم فتحتين تتدليان على جانبي الدابة لوضع الأغراض فيهما، و" سوق الدواب"؛ وهو المكان الذي كانت تتم فيه المتاجرة بالدواب؛ بيعًا وشراءً.
-          اللقب: وهو صفة تطلقها الناس على الشخص، ولكل لقب قصة ممتعة يعتز بها الملقَّب؛ فيستجيب لها دون غضب أو خنق، مثل: الصوص, العفن, الأهوج, الحولا, وأبو بلاطة... الخ. حتى أن "رزق" اكتسب هذه الخاصية ونقلها إلى بروكلين في الولايات المتحدة، عندما كان يصنف المتعاملين معه بإطلاق الألقاب عليهم، مثل: الأعوج، الأصلع، ذو الشعر، بنت السكرانة... الخ (ص: 109).
-          زواج الشغار:  هو نوع من الزواج كان منتشرا في الجاهلية؛ وهو أن يزوج الرجل وليته (ابنته أو أخته) على أن يزوجه الآخر وليته ليس بينهما صَدَاق ولا، وقد نهى عنه الإسلام.
-          السحجة: وهي فن شعبي فلسطيني ينفذه الرجال في الأعراس، يتضمن الأهازيج والأغاني والسامر... الخ. 
ثم تبدأ المصطلحات والمفاهيم بالتدرج، بحسب التسلسل الزمني للرواية، مثل:
-          الكوبّانية: وهي مستعمرة يهودية تم إقامتها على الأرض العربية.
-          الأوتوموبيلات: وهو التسمية التي أطلت على المركبات الخاصة بقل الأفراد والبضائع، وما يتعلق بها من تسميات الشارع بدل الطريق.
-          الحاجز العسكري-الأمني، وما يتعلق به من مصطلحات يستخدمها الجنود، ويهم يخاطبون الفلسطينيين، مثل: محسوم (الحاجز)، المعّاطة (الآلة الدوّارة التي يعبرها الفلسطينيون على الحواجز)، التصريح الخاص بالمرور، كلمات عبرية مختلفة يتداولها الناس مع الجنود، مثل: ما كرا (ماذا جرى)، خيال (جندي)، ديليت (باب)... الخ.
-          التكنولوجيا المعاصرة، من كاميرات مراقبة، ومجسّات للمعادن على الحواجز، والآيفون ووسائل الاتصال الحديثة الأخرى.
ثانيًا: تصوير الواقع كما هو:
فقد تميزت سرديات هذه الرواية ونصوصها بأنها لم تعقم الواقع الفلسطيني ولم تُجمّله، بل تم وصفه كما هو، بأن ظهر الجواسيس الذين عبر عنهم الكاتب من خلال "أَرْوَد"؛ الذي يمشي على كفيه، والذي يشتهي أحذية جنود الاحتلال ويلعقها ويتابع الثوار، من مكانٍ إلى آخر، لكي يكشفهم أمام الاحتلال الذي ينقض عليهم. إنه "أَرْوَد" الذي رأى فيه بعض الأهالي مسحة من القدسية.  
كما ظهر بوضوح سماسرة بيع الأراضي الذين يتلوّنون كالضفادع، ويمكرون كالثعالب؛ باتّباع كل الوسائل والأساليب المخادعة لإقناع أصحاب الأراضي ببيعها لصالح المستعمرات اليهودية، حتى أنهم استخدموا المنبر والجامع في مخادعاتهم تلك.
أما المغتربون، فقد كان لهم صولات وجولات في تمزيق القرية، وتهجير أهلها، واستبدال ماضيها الجميل بحاضر بشع، وإن كان يبدو وكأنه عملية تحديث للمكان وعصرنة للحال العمراني والاجتماعي. وهناك صنف من المغتربين كانوا في بلاد الغربة عناصر فسادٍ وإفساد، ولم يكونوا سفراء لقريتهم في بلدان الغربة، كقصة "رزق" الذي أسمى نفسه "ريكي"، وأخذ يحبط الأمريكان الذي غادروا المجتمع السفلي بعد اعتناقهم للإسلام.
كما تبين من هذه الرواية أن أهالي القرية قد استجابوا، بسرعة وبدون مقاومة تذكر، لعمليات الاستيلاء على أراضيهم وتمزيق الجدار لها، ولعل أكثر الصور مرارة ما يقوله "دعيس": ضاعت أراضي القرية الشاسعة وتلاشت خلف الجدار، ومن بقي من أهالي القرية بدأ يتصارع على المساحات المتاحة داخلها، حتى وصل الدور إلى البيادر، فاقتسمته العائلات- فأصبح مكان كل كومة قش بيت" (ص: 55).
ثالثًا: معلومات تاريخية:
لاحقًا للواقعية التي اتسمت بها هذه الرواية، فإن "دعيس" يوثق للمراحل المختلفة، بحيث أن لكل منها سمته، مثل: في العهد العثماني، كاد يكون التعليم معدومًا، خاصة في القرى، التي لا يزيد المستوى المتوفر فيها عن الكتّاب. كما أن الضرائب أثقلت كاهل الفلاحين، حتى أصبح الحصول على الحياة الكريمة صعب المنال، كما أن التجنيد الإجباري كان يلاحق الشباب بلا هوادة (ص: 18). وأما في فترة الانتداب، فيصف "دعيس" وقوف الناس مع الثوار، عندما زودوهم بالفراء في الأيام الباردة، وهم يهاجمون المستعمرات (ص: 49). ثم يصف الهزيمة الداخلية التي وصلت إلى كل فرد عندما يخاطب الجيل الحالي، بالقول: أنتم تهدمون تاريخكم، واليهود يبنون تاريخًا مزيفًا غير موجود" (ص: 56)، وأكثر تلك الصور ألمًا قوله: ألقيت حجارة الطابون في البئر الأثرية بالقرب من العلّية، وغابت البئر كما غاب الطابون وغاب شباب القرية (ص: 54).  
كما أن "دعيس" لم يألُ جهدًا في المحافظة على أكبر قدر من تفاصيل بيت حنينا التاريخية، وحاراتها، وحدودها الجغرافية والطرق المؤدية إليها. 
خلاصة القول لقد أمضيت مع هذه النصوص سحابة ساعات، اكتسبت فيها معرفة كانت تنقصني، عن الماضي البعيد (الممتد لما يزيد عن مائة عام) بما فيه من صور حية من الأمل والألم والوجع العلمي والمعرفي الذي كان ينتاب مجتمعنا أيام العثمانيين، ثم استلمه البريطانيون ليزيدوا الفقر فقرًا والجهل جهلًا، ووسط هذه الأهوال، من الجهل والفقر والتخلف، تتسرب الأرض الفلسطينية لصالح "الكوبانيات اليهودية"، ثم تأتي النكبة وما يتبعها من سيطرة صهيونية على كامل التراب الفلسطيني، وما انتهى إليه أمر الوطن الممزق بالجدار الذي قطّع أوصال الناس والجغرافيا، والمستعمرات التي تلتهم الأرض يومًا بعد يوم، والحواجز التي تمعن في إذلال الفلسطيني كلما فكّر بمغادرة بيته لأي سبب كان.
وقبل أن نغادر، أتوجه إلى الكاتب الرائع ""عبد الله دعيس" بأن كل ما هو مذكور أعلاه يمثل الجزء المملوء من هذه الرواية، إلا أنه لا بد من النظر إلى الجزء الفارغ منها، والمتمثل في أن هناك عناصر روائية غير مكتملة، تتمثل في ضعف الربط الروائي بين تلك السرديات، وفق ما هو موصوف أعلاه، كما أن السرد اعتمد، في غالبيته العظمى، على الكاتب، ولم يكن للشخصيات الحضور الكافي في النصوص.
أقول تلك الآراء والانطباعات، وأنا أؤكد أن الكاتب تمتع بقدرة على الصياغة جعلتني أقرأ ما بين الغلافين بنهمٍ، وبتواصل وبلا انقطاع، بغض النظر عن الجنس الأدبي الذي اكتسبته النصوص. أبارك للكاتب إنجازه، وأبارك للقارئ أن مكتبته تتزين برواية "لَفْحُ الْغُرْبَة".     
فلسطين، بيت لحم، العبيدية

14 آذار، 2015م









إرسال تعليق Blogger

 
Top