0
خطيب المسجد الأقصى المبارك:
الصلاة عند الحاجز كالصلاة في الأقصى.. والبراق إسلاميٌّ ولا مساومة عليه!
نُشِر في صحيفة القدس المقدسية، بتاريخ: 15/06/2017، ص: 16
                                                       عزيز العصا
لقد حظي المسجد الأقصى المبارك بمكانة وقدسية، وبشكل متواصل منذ انبثق فجر الإسلام على البشرية؛ بدءًا بفضيلة "إن الله سبحانه وتعالى بارك فيما حوله: بيت المقدس خاصة وبلاد الشام عامة، لقوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ". كما قال صلى الله عليه وسلّم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى".
هناك العديد من الفضائل للمسجد الأقصى المبارك، التي لا يتسع المجال لذكرها، وإنما أردت التذكير بما بقوله صلى الله عليه وسلّم: صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو، وليوشكنّ لأن يكون للرجل مثل شطن فرسه –حبل الفرس- من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس، خيرٌ له من الدنيا جميعًا". وقال الشيخ الألباني في هذا الحديث "إنه أصح ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الأقصى المبارك"[1].
أي أن المسجد الأقصى جزء من عقيدة الأمة؛ لا يجوز التهاون في شأنه، مهما صغر الأمر أو كبر. كما أن كل من له علاقة بالمسجد الأقصى المبارك هو أمام مسؤولية تاريخية، ولأن التاريخ لا يرحم، فإن المقصر بحق المسجد الأقصى لن يجد من يدافع عنه يومًا. فما بالك بمن يصعد على منبره مخاطبًا الأمة، القريب والبعيد، والقاصي والداني!  
نظرًا لأن ذروة الحضور إلى المسجد الأقصى هي في الجمع الرمضانية، فإن لخطب تلك الجُمع قيمة معنوية تسمو على سواها -وفي كل خير- وذلك لأن لا يكاد بيت في فلسطين لم تصله محتويات الخطبة جزئيًا أو كليًا. ما يعني أنه على الخطيب، ورغم جوْر الاحتلال وصلفه، إيصال رسالة المسجد الأقصى المبارك بأبعادها: التربوية، والفقهية، والعقدية، والتوجيهية بأكبر قدر من الدقة والوضوح. ولذلك، فإننا نرى في خطباء المسجد الأقصى قادة فكر ناصع وعقول مستنيرة؛ تضئ للشعب الفلسطيني، بل للأمة جمعاء، دروب العلم والمعرفة وتفقههم في دينهم ودنياهم. وقد دأبتُ على متابعة تلك الخطب وتحليلها بين الحين والآخر.
ففي الجمعة الرمضانية الثانية لهذا العام (وفق 9 حزيران 2017)، اعتلى منبر صلاح الدين في المسجد الأقصى "الشيخ الدكتور عكرمة صبري"، الذي تحدث، وأسهب، في العديد من القضايا، والتي يمكن أن نوجزها فيما يأتي:
أولًا: الزاحفون إلى المسجد هم الضمانة الرئيسية له.. والصّلاة عند الحاجز كمن صلى في المسجد الأقصى نفسه:
فقد ذكّر الشيخ "عكرمة" جموع المصلين في المسجد الأقصى المبارك، وجميع أبناء الشعب الفلسطيني الزاحفين إليه، بأن زحفهم يمثل رداً عملياً وإيمانياً ورسالة واضحة موجّهة للطامعين في الأقصى، ورسالةً أخرى للعالم أجمع: للقاصي والداني بأن قلوب أهل بيتِ المقدس، وأكنافِ بيت المقدس، ومشاعرهُم وأحاسيسُهم معلقة بالأقصى، الذي يمثل جزءاً من إيمانهم وعقيدتهم بقرار رباني الهي، وأنه لا مجال للمساومة ولا للتفاوض ولا التنازل عن ذرة تراب منه. وأما من مُنع من الوصول إلى الأقصى بسبب الحواجز العسكرية الإحتلالية الظالمة وغير الإنسانية، فإنه يصلي حيث يمنع، وله ثوابٌ موازٍ ومساوٍ لمن يصلي في الأقصى.
ثانيًا: لا دولة بلا شورى.. والتبعية للغير ليست من الإسلام في شئ:
في تحليله لمعركة بدر الكبرى والدروس المستقاة منها، خرج الشيخ "عكرمة" بمفهومين، ارتأى بأنه على قادة الأمة وأحرارها في مواجهتهم لأعدائهم التمسك بهما، وهما:
الدرس الأول: تطبيق مبدأ الشورى، التي طبقت عملياً في عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر الكبرى، وفي غيرها من المواقع، وفي شؤون الأمة العامة، كما أن الخلفاء الراشدين –رضي الله عنهم- قد طبقوها الشورى في قضايا الأمة المصيرية وفي القضايا الكبرى. وأن نجاح أي دولة أو أي مؤسسة بأن تقوم على المشورة، مستشهدًا بقول القائد الإسلامي صلاحُ الدين الأيوبي –رضي الله عنه- بقوله: "ما فتحتُ البلاد بالعساكر، ولكن فتحتها برأي القاضي الفاضل"؛  والقاضي الفاضل هو عبد الرحيم البيساني/ من مدينة بيسان في فلسطين. مؤكدًا أنه لا يجوز للمستشار أن يكون منافقاً مذبذباً خادعاً للحاكم، ولا يجوز أن يكون "ماسحاً للجوخ"، وإن البطانة الصالحة تكون للحاكم الصالح، والبطانة الفاسدة تكون للحاكم الفاسد.
الدرس الثاني: الاعتمادُ على النفس بعد الاعتماد على الله عزّ وجل.. فقد توجه رسولنا الأكرم محمدٌ –صلى الله عليه وسلم- بالدعاء إلى الله ربّ العالمين، ثم اعتمد على نفسه ضمن الإمكانات المحدودة المتوفرة لديه وقتئذ؛ فلم يتوجه إلى الفرس ولا إلى الروم ليطلب المساعدة، ولم يكن –عليه الصلاة والسلام- تابعاً لأي من الدولتين، ولم ينسق معهما، ولم يتذلل لهما، ولم يتنازل عن أي حق من حقوقه المشروعة.
ثالثًا: المسجد الأقصى المبارك إسلاميّ الهوية وليس لأحد في حقّ لا من قريب ولا من بعيد:
لقد ذكّر الشيخ "عكرمة" بما دأبت عليه سلطات الاحتلال من تجاوزات واعتداءات بحق المسجد الأقصى المبارك، فقبل أيام عقد ما يعرف بـ "مجلس الوزراء الإسرائيلي" جلسته في أحد الأنفاق الواقعة أسفل المسجد الأقصى المبارك كنوع من التحدي والمكابرة، وبهدف استفزاز مشاعر المسلمين، حيث إن الاحتلال الإسرائيلي يحاول أن يقنع نفسه بأن له حقاً في حائط البراق، وفي الأقصى المبارك، وذلك من خلال فرض واقع جديد، ومن خلال الغطرسة العسكرية، كما أنه يريد أن يوهم العالم بأن هذه الغطرسة وهذه المكابرة وهذه التجاوزات ستكسبه حقاً في ساحة البراق وفي رحاب الأقصى.. ولكن هيهات، هيهات لما يتوهمون، ولما يزوّرون، ولما يزيّفون.
ورد الشيخ "عكرمة" على تلك الممارسات بالتأكيد على أن المسجد الأقصى المبارك هو للمسلمين وحدهم بقرار من رب العالمين، إنه الأقصى الذي ارتبط بالسماء بما في ذلك حائط البراق الذي هو جزء من الأقصى، وأن كل ما يتناقض مع هذه الحقائق مرفوض ومشبوه، ويتعارض مع موقفنا الإيماني الاستراتيجي، ومع تاريخنا الحضاري المجيد. وعزز أقواله تلك باستذكار قرار عصبة الأمم عام 1930م عندما أعلنت بأن حائط البراق هو وقف إسلامي، وأنه جزء من المسجد الأقصى المبارك، كما استحضر قرار منظمة اليونسكو في العام الماضي 2016م، الذي أُعلن فيه بأن لا علاقة لليهود بالأقصى ولا بحائط البراق ولا بساحته، كما أعلنت في قرار آخر بأن مدينة القدس هي مدينة محتلة وأن إجراءات سلطات الاحتلال في هذه المدينة هي إجراءات باطلة.
وحسم الشيخ "عكرمة" الأمر، بما يشبه الفتوى، عندما أعلن بأن الأقصى المبارك، بما في ذلك حائط البراق، غيرُ قابل للمفاوضات ولا للتفاهمات ولا للمساومات، ولا يحق لأي شخص في العالم أن يتنازل عن ذرة تراب من الأقصى بما في ذلك حائط البراق. فالأقصى أسمى من ذلك كله، وأن حقنا الإلهي قائم إلى يوم الدين، وأن الاحتلال إلى زوال مهما طال الزمان أو قصر. إنه الأقصى بما في ذلك حائط البراق سيبقى شامخاً مع مر الأزمان والأجيال. إنه الأقصى الذي جثت أمام عظمته الجبال، وعنت لهيبته مواكب الرجال.
الخاتمة والتعليق
لا يمكننا مغادرة هذا المقال قبل الإشارة إلى أن هذه الخطبة ذات أهمية قصوى فيما يتعلق بتسليط الضوء على عدد من القضايا المهمة والمصيرية. وعلى رأسها حث المسلمين على التوجه نحو المسجد الأقصى المبارك، وبذل المحاولات الجادة للعبور والوصول إليه، وعدم الاكتفاء بالركون لقرار الاحتلال القاضي بمنع الدخول إلا لأعمار محددة، ورفض الاحتلال لكل من لا يروق له من أبناء شعبنا بحجة الدواعي الأمنية!
كما أنه يحرُم على أيٍّ كان التفكير في التنازل عن أي ذرّة تراب في المسجد الأقصى المبارك، بشكل مباشر أو غير مباشر، وسواء بالتصريح أم بالتلميح. وذلك لأنه ملك الأمة منذ الإسراء والمعراج وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
هناك عبارة مرّت سريعًا بين ثنايا هذه الخطبة، إلا أنه لا بد من الإشارة إليها وتسليط الضوء على أهدافها ومراميها، وهي دعوته إلى أنه لا يكفي الاحتشاد في المسجد الأقصى المبارك، وإنما هناك ضرورة قصوى لوجود حالة من والوحدة والالتئام وتطبيق مفاهيم النظام والانضباط، بهدف المحافظة على ؛ بأن تراعى حرمة الصيام، والمحافظة على نظافة المسجد ومراعاة تصرفات الفرد والجماعة لقدسية المكان عند الله سبحانه وتعالى، وحرمته، ومهابته ومكانته في النفوس.
هذا هو التحليل الخاص بالخطبة قيد النقاش، والتي أرجو الله أن أكون قد أوفيتها حقها، وأن يعلم الأخوة خطباء المسجد الأقصى المبارك أننا نرى فيهم أمناء على قضيتنا العادلة -المسجد الأقصى جزء منها-، في مواجهة المؤامرة الكونية التي تستهدف وجودنا وهويتنا الدينية والوطنية، وأن كل عبارة تصدر عنهم تترك في نفوسنا أثرًا نحمله إلى أسرنا ومجتمعاتنا ومدننا وقرانا. جزاهم الله عنا كل الخير.. وحماك الله يا أقصى.     
فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 10 حزيران، 2017م




[1] عفانة، حسام الدين (2014). المسجد الأقصى المبارك: فضائل وأحكام وآداب. لجنة زكاة القدس-بيت المقدس. ص: 5.

إرسال تعليق Blogger

 
Top