0
عثمان لطرش التونسي في روايته "مطماطة":
مطماطة الشخصية تعانق مطماطة الوطن.. وباريس الملاذ للهاربين من الموت والجوع 
نُشر في صحيفة القدس الفلسطينية بتاريخ 01/07/2017، ص: 12 
                                                         عزيز العصا
عثمان لطرش؛ روائي تونسي، من قرية مطماطة في ولاية قابس. مدرس اللغة العربي في المعهد النموذجي بقابس. بدأ محاولاته الأدبية في مجال القصة القصيرة،  عرفته عبر التواصل الاجتماعي، وتعرفت عليه في قابس أثناء مؤتمر "شعرية التفاصيل في الرواية العربية" الذي انعقد في منتصف نيسان الماضي من هذا العام (2017). عرفت في هذا الروائي انتماءه العميق لقضايا بلده تونس ولقضايا الأمة. ففي ذكرى النكبة الفلسطينية يقول: "النكبة أخصبت، فغدت نكبات.. الجهل.. الخيانة... التخاذل... التواكل... الانبهار بالآخر المهيمن... التنكر للهوية"، وفي ذلك فهم دقيق لمعنى النكبة ولارتداداتها وعواملها وأسبابها ومسبباتها التي لا زالت تنخر في جسد الأمة.  
وأما العمل الأدبي الذي نحن بصدده لـ "عثمان لطرش" فهو روايته «مطماطة»، الصادرة عن دار المنتدى للثقافة والإعلام في تونس العاصمة،  والتي تقع في (169) صفحة من القطع المتوسط، يتوزع عليها، اثنا عشر جبلًا على القارئ تسلقها لكي يحل عقدة الرواية ويتعرف على ما وراء النص.
سيميائية الغلاف والثيمة الروائية
قبل أن تلج في الرواية تتوقف عند غلاف يحمل سيميائة تشي بقادم النص والسرد؛ جبال متباينة الارتفاعات منها جبل شامخ في الإرتفاع وضارب في أعماق الأرض، يكاد أن يبلغ عن نفسه بأنه عقدة الرواية وذروة أحداثها. كما أن "عثمان لطرش" ينبئ القارئ، من خلال التصدير والإهداء، بأنه متجه نحو نص (سرد) يحمل ملامح صراع شخصيات الرواية من أجل الحصول على الحرية. كما يبوح للقارئ بأن روايته هذه "تخييل" قادم من رحم واقع جغرافي وتاريخي ومسيرة حياة بشرية. الأمر الذي يمكّن السارد من توظيف الواقع ووصف أحداثه وصولًا إلى الإيهام بالحقيقة؛ وهي الفن الروائي الذي يجعل من الرواية مصدر جذب لقارئ يبحث عن الحقيقة من زوايا مختلفة.
بقراءة متأنية لهذه الرواية وجدتُني أمام ثيمة (قضية) روائية، جوهرها الصراع الذي كان قائمًا على أرض تونس، خلال البنية الزمانية للرواية، بين نظام الحكم "الغول الأبيض"، وبين طالبي الحرية من أبناء البلد، الذين يرفضون الاستعباد وتكميم الأفواه.
الرواية تحتفي بالتفاصيل.. وللتضاد مساحة واسعة
منذ السطر الأول الذي يمثل الحافة الدنيا للجبل الأول "لظى الإسم"، يشرع السارد بالتفاصيل في سرد الأحداث، ويقدم وصفاً "شعريًا" مفصلاً مشبعًا باللغة وجزالة الوصف، ما جعل الرواية تستمد طولها، ومتعة السرد فيها، من هذا الوصف التفصيلي. وفي واحدة من الصور نجد أن السارد يستخدم الوصف ويوظفه خير توظيف لكي تنجلي الأحداث أمام القارئ وتبدو صافية في تصوير المكان، وإظهار العوالم النفسية والفكرية والأيديلوجية لشخصيات الرواية. وفي واحدة من صور التفاصيل.
كما نجد أن السارد تمكن من الإمساك بناصية التضاد في اللغة، ليخرج بعبارات منفتحة على مشاعر متناقضة لشخصيات الرواية مبتدئًا بـ "صدى" يأتي من قول الشاعر الفلسطيني محمود درويش: عيونك شوكة في القلب توجعني.. وأعبدها" (ص: 16). ثم يستطرد في تلك المشاهد، كقوله: "يبكي أبي وهو يمزح"، و"يمزح بما يؤلم" (ص: 19)، و"نظرات حانية شائكة كأشواك الطمأنينة" (ص: 21). ولعل في ذلك استجابة طبيعية لتتابع الأحداث التي تعود إلى الممارسات الوحشية للغول الأبيض، فالعروس تتحول من بياض الفرح إلى بياض المرض؛ فتصحو صبيحة دخلتها وهي على سرير المرض (ص: 29). تلك الليلة التي كانت مفصلًا في حياة بطل الرواية وعروسه (ناجية) التي لم تره مرة أخرى إلا في باريس بعد نحو خمس سنوات من الزمن، إنها البلد الجميل الذي ترى فيه ناجية "منفى ومقبرة للمشاعر" (ص: 35). وهناك ينجبا بنتًا يجعلان منها ذاكرة المكان الذي عشقاه؛ وهو إسم تلك الأرض-القرية-الموطن "مطماطة"، ثم تكبر مطماطة-الابنة لتعيش تحت وطأة حِمل وضعه والدها على صدرها (ص: 20)؛ فإسمها "يرويها حينًا ويؤلمها أحيانًا" (ص: 52).     
بنيتا الرواية وبناء الشخصيات
وجدتُ أن الرواية تتكئ على بنيتين رئيسيتين، هما:
البنية الزمانية؛ وهي حقبة "الغول الأبيض" التي كان فيه القمع سيد الموقف، وهي حقبة "زين العابدين بن علي"، التي بدأت في أواخر العام 1987، وانتهت بثورة شعبية في مطلع العام 2011. تلك الحقبة التي كان فيها التونسي يعتقد أن للغول الأبيض عيون حتى في باريس (ص: 53).
البنية المكانية؛ وهي قرية مطماطة، التي ترد في هذه الرواية المكان-البطل. وتمتد هذه البنية إلى باريس؛ المكان الذي يتسع لأبناء المغرب العربي "الهاربين" من بلدانهم –بلدان الخير والثروة-؛ خوفًا على حياتهم؛ إما من الحاكم-الطاغية أو من جوع يفتك بهم.
لقد تمكن السارد من التحرك، بحريّة، في هاتين البنيتين، ليصف الأحداث، ويطلق الأسماء والتسميات، بلغة عربية عميقة، تحمل ملامح الأصالة في مفرداتها ومعانيها، وفي ذلك كله تكاد الرواية تخلو من الرمزيات، وإنما تراوح السرد بين الحقيقة والإيهام بالحقيقة، وفي كلتا الحالتين يجد القارئ نفسه مطمئنًا إلى أنه بصدد أحداث حدثت على الأرض.
 وأما شخصيات الرواية، فقد قام "عثمان لطرش" ببنائها، بشكل متقن، ولم يُفْرِط في تعدادها؛ ووزعها كما يلي: الشخصيات التي شكلت الخيط الروائي، وبقيت على طول النص، حتى النهاية، وأخذت دور البطولة الذي قامت به "مطماطة"، ويصاحبها فيه: "والدها صابر" و"ووالدتها ناجية" و"خالها سامح"، والشخصيات الثانوية الهشة التي تم توظيفها لأغراض استكمال المشهد، دون أن تكون فاعلة في النص.
البعد المعرفي للرواية
لأنني فلسطيني، وأنتمي إلى المشرق العربي، فإنني وجدت في هذه الرواية إطلالة معرفية وثقافية على المغرب العربي الشقيق، منها:
أولًا: التاريخ العريق والجغرافيا التونسية الجميلة: فقد تعرفنا على تاريخ "مطماطة"؛ تلك القرية التونسية التي تتبع ولاية قابس، تمتد حتى الحدود الليبية، تشتهر بالزيتون والنخيل والتين. وسكانها عرب وبربر. ونباتات مطماطة وأشواكها: البُك، القَندول، القدّيم، القُرضاب (ص: 111)، والزعتر والشيح والإكليل (ص: 118).
ثانيًا: عادات الأعراس: فهي عادات لا تختلف كثيرًا عما كان سائدًا في مجتمعنا (الفلسطيني)؛ من حيث اللباس الخاص بالعروسين وأقاربهما، ومرافقة النسوة للعروس حتى مخدع الزوجية، وما يتبع ذلك من حرص المجتمع المحيط على "نتائج الفحولة"! (ص: 28). وغير ذلك من بكاء العروس، وارتفاع زغاريد النسوة، واستخدام الجمل أو "الهودج" كم كان يسمّى عندنا.
ثالثًا: قمع النظام الحاكم وقسوته بلا حدود: فقد جاء مشهد اعتقال العريس "ليلة دخلته" وانتقال العروس وهي بثوب زفافها إلى المستشفى وهي فاقدة الوعي، ولم تستعد وعيها إلا بعد أسبوع من تلك الليلة، لتستفيق على عريسها وقد أصبح بين جدران الزنزانة (ص: 29-32)، وذلك في 10/06/1992 (ص: 130). وما رافق ذلك من صور التعذيب البشعة وسط الجرذان وفي أجواء الصخب الشديد الذي يمنع السجين من النوم (ص: 130-139).
 رابعًا: كشف آلية تحرير المعتقلين في سجون النظام (التونسي): حتى وإن جاءت ضمن التخييل الروائي، فإن السارد قاد القارئ في رحلة "ترقّب" لتحرير "صابر" من سجنه، ونقله إلى باريس (ص: 73-84)، ليعيد زفافه في 13/01/1996 (ص: 95)، وينجبا بطلة الرواية "مطماطة"، التي تحمخل في إسمها دلالات الوطن الجميل الذي يسكنها دون أن تسكنه.
خامسًا: سنة 2010 تنقضي بجراح ودماء وسنة 2011 تبدأ بفرح وسرور: تتسلسل الأحداث وتتداخل حتى تصل إلى اليوم المشهود الذي يسقط فيه رأس "الغول الأبيض"، ويغادر تونس إلى غير رجعة. ثم تطل سنة 2011 على أحرار تونس –صابر أحدهم- وقد تنسموا عبق الحرية التي لم تكن لولا تضحيات ثوار تونس، بدءًا بالبوعزيزي في سيدي بوزيد؛ الذي أشعل نار الثورة بجسده الغض.           
ختامًا،
هذه هي رواية "مطماطة" للروائي التونسي "عثمان لطرش"، والتي وجدت فيها شهادة على حقبة زمنية مهمة من حياة تونس والتونسيين، خلال الفترة (1987-2011)، عندما ساد فيها القمع والإذلال والعبث في حرية التونسيين، ومصادرة حقهم الطبيعي في حرية الرأي وممارسة عباداتهم.
لقد تمكن السارد في هذه الرواية من رسم شعرية المكان، واستكشاف عوالم شخصياته بدقة وإتقان، عندما "طوّع" اللغة واستنهض مخزونه اللغوي من الجناس والطباق والتضاد، بما مكّنه من جعل الأحداث طوع بنان القارئ، بسهولة ويسر. إنها رواية المكان والإنسان والعلاقة الصميمية بينهما، التي لا تنفك عراها مهما طال الزمن ومهما غلت التضحيات. وهكذا عانقت مطماطة-الشخصية مطماطة-الوطن والتحما رغم كيد الطغاة وأجهزتهم القمعية.     
فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 11/06/2017م



 



 


إرسال تعليق Blogger

 
Top