0
في الذكرى -828- لتحريره القدس:
صلاح الدين "ومضة" شقت ظلمة الأمة.. وأفقدت الأعداء بصرهم وبصيرتهم
نشر في صحيفة القدس المقدسية، يوم الجمعة، بتاريخ 02/10/2015م، ص: 15
                                                          عزيز العصا
في مثل هذا اليوم الجمعة 02/10/1187م، وفي ذكرى الإسراء والمعراج في حينه؛ أي قبل (828) عامًا ميلاديًا من الآن، تمكن القائد صلاح الدين الأيوبي من دخول القدس محررًا إياها من أيدي الصليبيين، الذين كانوا قد دخلوها غزاة محتلين-مخربين-مدمرين في العام 1097، وجنودهم يحملون على صدورهم وأكتافهم شارة الصليب الحمراء على قطعة قماش بيضاء.
نظرًا لتزاحم المعلومات الواردة حول صلاح الدين وبطولاته وفضائله على الأمة، ولكثرة ما كتب عن الصليبيين وأعمالهم التخريبية وفتكهم بجسد الأمة؛ بمسلميها ومسيحييها، فقد اخترت كتابين، تميزا بابتعادهما عن ال
صيغ التاريخية الجامدة، لاستقاء المعلومات منهما، وهما: ما كتبه المرحوم أنور الخطيب التميمي في كتابه "مع صلاح الدين في القدس-تأملات وذكريات"، وما ورد في كتاب "المهد العربي: المسيحية المشرقية على مدى ألفي عام والعلاقة المتبادلة مع الإسلام"، لمؤلفه "سميح غنادري".

فرنجة وليسوا صليبيين
لقد جاء من أسموا أنفسهم "الصليبيون" لمقاتلة الشرق "الكافر" إسلاميًا و"الضال" مسيحيًا، فوجدهم المسيحيون أنهم محاربين للصليب الذي يدّعون الانتصار له، وامتازوا بوحشيتهم وهمجيتهم وخيانتهم للعهود والاتفاقيات؛ فأطلقوا عليهم "الفرنجة". إذ قامت الحملة الأولى باحتلال مملكة الأرمن الصغرى المسيحية الأرثوذكسية، وأقاموا فيها أول إمارة لاتينية لهم في العام 1098. وكانوا في رحلتهم تلك يمارسون مهمتهم المركزية، وهي: التنكيل بالمسلمين والاستيلاء على العديد من الجوامع وحرق بعضها، أو تحويلها إلى كنائس. كما أصاب الأرثوذكس باعتبارهم "الضالين" ما أصاب المسلمين من استيلاء على كنائسهم، وتحويلها إلى لاتينية وملاحقة رجال الكهنوت.

في 07/06/1099م، وفي ظل الخلافة العباسية، وصل القدس (40,000) محارب من الفرنجة، نصفهم فقط من الجنود النظاميين (والباقي من متطوعين، جاءوا وهم مسكونون بخرافات وأساطير لكي يفكوا طلاسمها بدماء أهل القدس)، مقابل حامية القدس الفاطمية من (1,000) محارب فقط. داروا، أولًا، حول أسوارها نافخين في الأبواق؛ ظانّين أن "عجيبة" إلهية ستسقطها، وعندما لم تأت العجيبة اقتحموها في 15/07/1099م.
أبلى الفرنجة في المدينة المقدسة قتلًا وتنكيلًا وحرقًا وهدمًا، وقتلوا (70,000) من أهلها المستسلمين؛ من المسلمين واليهود. وأما من هرب واحتمى بالحرم الشريف، فقد تلقاهم جنود الفرنجة هناك وذبحوهم ذبح الأغنام، وتعقبوا المسلمين في كل مكان، وهجموا على الصخرة المشرفة وهناك فتكوا وذبحوا الألوف من اللاجئين إليها من رجال ونساء وأطفال، حتى أصبحت الخيل تخوض الدم سابحة فيه.  ثم توجهوا إلى كنيسة القيامة لكي "يرتلوا بخشوع!!": "نشكرك يا الله!"[1]. ثم حولوا المسجد الأقصى المبارك والصخرة المشرفة إلى كنيستين ومكاتب لهم، واستولوا على الكنائس الأرثوذكسية، وأولها كنيسة القيامة، ومنعوا المسلمين واليهود من السكن في المدينة المقدسة؛ فأما من بقي حيًا، فإما أن يرتد عن "كفره!" ويتنصّر أو يرحل[2].
صلاح الدين مُحرِّرًا
بقي الأمر على حاله إلى أن قضى الله بأن أمر الخليفة العباسي "المستضيء بأمر الله" (1170-1180م)، أمراً بإمارة صلاح الدين؛ سليل العائلة الأيوبية المولود في العام (1138م)، وهو من أسس الدولة الأيوبية (1174-1249م)، على كل من مصر والمغرب والنوبة وغرب الجزيرة العربية وفلسطين، فأحاط بالفرنجة من سوريا والعراق ومصر، وفي 04/07/1187م وقعت معركة حطين، التي هُزم فيها الفرنجة هزيمة ساحقة، فواصل صلاح الدين طريقه، وقلاع الفرنجة تتهاوى أمامه تِباعًا، حتى وصل القدس وحررها من أيدي الصليبيين يوم الجمعة (بتاريخ: 02/10/1187م)[3]. وقد أحدث ذلك هزّة عنيفة لأوروبا، التي ردّت على ذلك بحملة ثانية وثالثة ورابعة حتى تسع حملات، انتهت في العام (1303م) على أيدي المماليك الذين سمحوا للفرنجة بمغادرة البلاد بسلام على سفنهم[4].

بالعودة إلى الذكرى والمناسبة، من الجدير الإشارة إلى تلك الخصائص التي تحلى بها ذلك القائد التاريخي، الذي دانت له البلاد من النيل إلى الفرات ولم يترك إلا (47) درهما، إلا أنه ترك لنا تراثاً لا يقدر بثمن من الحضارة التي بناها في القدس، بعد أن حررها من الفرنجة، كما أنه واظب على الحضور فيها[5]. إنه "صلاح الدين"، الذي قال فيه متدينو المسيحية: "لولا ديانته الإسلامية لكان في الفردوس؛ وهو الموقع الخاص بأتباع الديانة المسيحية[6]!"، في حين أنهم يقولون في الصليبيين: "لم يأتوا بالسلام بل أتوا بالسيف.. وهذا السيف مزّق العالم المسيحي"[7]، ويروي التاريخ أن العديد من نصارى الشرق شاركوا، إلى جانب المسلمين، في تحرير البلاد منهم، حتى أنه كان من بين جنود صلاح الدين وقادته العسكريين نصارى عرب، وكان قد وصله رسالة من أشراف القدس الأرثوذكس يدعونه إلى دخولها وتحريرهم من الفرنجة[8].
إلا أن فرحة المسلمين والمسيحيين لم تدم طويلا في القدس، فحملات الفرنجة المتوحشون لا زالت مستمرة، وفي العام (1189م) يداهمونها مرة أخرى، فأصر "صلاح الدين" على البقاء فيها ولم يغادرها، رغم علمه بقوة خصومه، ورغم أن جيشه أصر على المغادرة، فأمضى ليله "قائماً متهجداً"، حتى أن مرافقه شاهد السجادة التي كان يسجد عليها صلاح الدين مبللة بدموعه. وكانت النتيجة أن الصليبيين لم يدخلوا القدس، وإنما اكتفوا بدخول الحجاج اللاتين للصلاة فيها[9]. وفي 02/11/1192م، وبعد سقوط عكا مرة أخرى بيد الفرنجة، أبرم صلاح الدين معهم معاهدة، يبقى هو بموجبها في الداخل الفلسطيني[10].
ثم تدور الأيام، ويستلم المماليك الحكم من الأيوبيين، فعمروا القدس وفلسطين وبنوا فيها حضارة، على المستويات كافة، يصعب وصفها في عجالة، حتى استلمها العثمانيون في العام 1517م ولمدة (400) عام انتهت بالانتداب البريطاني، فالنكبة في العام 1948، ثم النكسة في العام 1967، وإلى يومنا هذا الذي وصل فيه الصراع في المسجد الأقصى وفوقه وتحته، لحد يصعب تحمله.
العبرة والاستنتاجات
لشدة تشابه يومنا هذا ببارحة صلاح الدين، ولما يمر به المسجد الأقصى من أحداث، ومحاولات جادة لتهويده، تكاد تأتي أكلها لولا لطف الله، وصمود الخيرين من أبناء شعبنا، بخاصة المقدسيين منهم، فإنه لا يجوز المرور عن هذه الذكرى دون أن نستحضرها؛ بهدف القراءة والتحليل والمقارنة. فاليهود المعاصرون، يعتقدون بأنهم ليسوا صليبيين محتلين، وأن عصر صلاح الدين قد ولّى إلى غير رجعة؛ فالأمة لن تلد صلاح الدين[11].
وأما القراءة المتأنية لواقع الأمة الحالي، فتشير إلى التشابه الشديد بين الواقعين، وإن كان الفارق بينهما يتجاوز ثمانية قرون من الزمن. فصلاح الدين الأيوبي لم يكن مجرد قائدٍ عند الخليفة، الذي يأمر وينهى ويحرر البلاد والعباد ويرد الحقوق إلى أصحابها، بل أنه عندما استصرخ الخليفة العباسي (الناصر لدين الله) لم ينصره[12].
مما يعني أن البطولة الفردية المستندة إلى الإيمان بالله، وما يصاحبها من قدرة على توحيد شتات الأمة، ولو جزئيًا، واستثمار ما يتيسر من الإمكانات الاقتصادية، والخصائص الجغرافية، التي تزخر بها الأمة، يمكن تحقيق انتصارات جدية على الأرض، وتحرير المغتصب منها، مهما كانت قوة الأعداء.

ولا شك في أن الغرب الاستعماري؛ صاحب التجربة "المريرة" مع صلاح الدين الأيوبي، يدرك ذلك جيدًا، فتراه يسعى بشكل دؤوب إلى وضع الأمة في حالة من الفوضى والارتباك والتضارب والتضاد؛ لضمان عدم قدرتها على النهوض، لا كليًا ولا جزئيًا. ويشير التاريخ المعاصر إلى دقة ما نقول به، من خلال ما جرى أخيرًا مع العراق بقيادة الشهيد صدام حسين؛ الذي حقق حالة من الاقتدار والسيطرة على الثروات والاستقلالية السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية، وبناء جيش من العلماء... الخ، الأمر الذي جعلهم يرون في ذلك خطرًا داهمًا على مشروعهم الاستعماري، المتصل بالصليبيين، كما قال بذلك جورج بوش الإبن وهو يدق طبول الحرب على العراق في العام 2003م.
نقول هذا، ونحن نرى الأمة ولود بصلاح الدين، الذي كان ومضة ساطعة شقت ظلمة واقع الأمة؛ فأفقدت الأعداء بصرهم وبصيرتهم، وغيره من القادة القادرين على صناعة النصر، في أحلك الظروف وأقساها، وأكثرها شراسة. رحم الله صلاح الدين الأيوبي، ومن سبقه ومن لحق به، ومن سيلحق به، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 25 أيلول، 2015م
 





[1] انظر: غنادري، سميح (2009). "المهد العربي: المسيحية المشرقية على مدى ألفي عام والعلاقة المتبادلة مع الإسلام". دار 30 آذار للنشر. ط1. ص: 379-384.
[2] نفس المرجع السابق، ص: 384.
[3] نفس المرجع السابق، ص: 386-387.
[4] نفس المرجع السابق، ص: 403.
[5] الخطيب، أنور عبد الحي (1989). "مع صلاح الدين في القدس- تأملات وذكريات". دار الطباعة العربية- القدس. ص: 23.
[6] الخطيب، أنور عبد الحي (1989). "مع صلاح الدين في القدس- تأملات وذكريات". دار الطباعة العربية- القدس. ص: 23.
[7] غنادري، سميح (2009). مرجع سابق، ص: 389.
[8] غنادري، سميح (2009). مرجع سابق، ص: 389.
[9] الخطيب، أنور عبد الحي (1989). "مع صلاح الدين في القدس- تأملات وذكريات". دار الطباعة العربية- القدس. ص: 168.
[10] غنادري، سميح (2009). مرجع سابق، ص: 388.
[11] الخطيب، أنور عبد الحي (1989). مرجع سابق، ص: 413.
[12] غنادري، سميح (2009). مرجع سابق، ص: 388. 

إرسال تعليق Blogger

 
Top