0


رضوى عاشور؛ مفكرة مصرية الهوى والهوية، فلسطينية المشاعر والشعور، توفيت أواخر العام 2014. هذه ليست أحجية؛ فهي زوجة الشاعر الفلسطيني؛ مريد البرغوثي، ووالدة الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي. ولهذه الأسرة بصمات واضحة، للقاصي والداني في المجالات الأكاديمية والفكرية، وفي مجال الأدب؛ الشعر والقصة والرواية... الخ. وقد تركت "رضوى عاشور" للأجيال، ما لا يُنسى من ذخيرة تكفي لتحريضهم على الثورة على واقعهم، والتخطيط السليم لمستقبلهم، والقدرة العالية على "استرجاع" ما ضاع من الأوطان، حتى ما تم محوه منها. وعندما لمعت أمامي رواية "الطنطورية" الصادرة عن دار الشروق المصرية في العام 2010، أثناء بحثي في حياة "رضوى عاشور"، باشرتُ بقراءة كل ما وقع بين غلافيها، بصفحاتها الـ (463) من القطع المتوسط، في جلسة واحدة. لقد وجدت في هذه الرواية الإجابة، السهلة الممتنعة، عن العديد من الأسئلة، التي لم أكن أعلمها من قبل
ومما سمعته من الروائية "رضوى عاشور"، أنها ترى أن هناك صعوبة في الكتابة عندما تكون على خلفية دماء الشهداء[1]. لذلك؛ فإنها تكتب في ظل مهابة الشهداء وحضورهم.
في روايتها هذه، ومنذ منذ الكلمة الأولى، تضعك الكاتبة أمام مشهدين متلازمين: أما المشهد الأول؛ فيتمثل بفلسطين الجميلة؛ ببحرها وأرضها وغاباتها وحضارتها المتراكمة، بتواصل غير منقطع، عبر مئات السنين، والتي لم يصنعها لا المنتدبين البريطانيين ولا القادمين الجدد من خلف البحار والمحيطات. وأما المشهد الثاني فيتمثل بأولئك الغرباء من يهود يمارسون "قطع الطرق"، وإنجليز يلاحقون المناضلين ويعدمونهم لأبسط الأسباب. ثم ترحل بنا من مكانٍ إلى مكان، بما يشكل البنية المكانية للرواية، الممتدة بين الطنطورة وحتى آخر الدنيا (في كندا)، مرورًا بمسار الهجرة والتهجير الذي استقر في لبنان. كما تتنقل من زمانٍ إلى زمان، بما يشكل البنية الزمانية على مدى يقارب الستة عقود من الزمن (تمتد بين العام 1947 والعام 2005). وتندمج هاتان البنيتان اللتان تديران حركة الأشخاص وأدوارهم المحددة والواضحة، في خطاب سردي متماسك.
وفي نظرتها للـ "حكي" عن الذات" ترى الكاتبة أنه اقرب إلى الهبوط إلى منجم في باطن الأرض، وقد ينهار المنجم على رأس صاحبه في لحظة ما فيقضي عليه، باعتبارها حكاية عمر مشتبكة مع أعمار الآخرين  (ص85).
وليس أدل على ذلك، مما أبدعته "رضوى عاشور" في وصف القرية في العام 1947، بتفاصيلها التي لا يعرفها إلا من عاشها وعايشها. فجاء وصف حالة العشق المتبادل بين "رقية" والبحر، حينما كانت تلعب لعبة "قبر الرمل"؛ الذي يبقي على الرأس فقط فوق الرمل، بما أسمته "مقبرة مجللة بالضحك وشيطنة الصغار" (ص9)، ذلك البحر الذي شهد على ملامح مراهقتها الأولى عندما قذف لها بالحبيب القادم من قرية دير غزال المجاورة (ص: 7). وتعبيرات أم الصادق التي تنم عن مشاعر أمٍّ، ذات مستوى ثقافي ومعرفي متواضعين، تحرص على بيتها وأسرتها وتذود عنهما كما تذود اللبؤة عن صغارها. وأبو الصادق؛ ذلك الرجل الوطني الرافض للذل والهوان، الذي انتقد مفاهيم شقيقه "أبو الأمين"، الوطني أيضًا، الذي يدعو إلى استباق الأمر لتقليل الخسائر. ثم تنتقل بنا من لحظة تأمين الغذاء للحيوانات وإغلاق الباب (بسبع دورات للمفتاح)، إلى مذبحة الطنطورة والبطلة ترى جثث أبيها وأخويها دون أن تنبس ببنت شفة؛ من هول المصاب الذي تحياه، منطلقة عبر فلسطين بمدنها وقراها، حتى الخليل وجنين وصولًا إلى لبنان حيث المخيم-المستقر.
في كل تلك الأحداث، وما تبعها من مشاهد في أبو ظبي، وعمان، والاسكندرية، واليونان، والشريط الحدودي عند شمال فلسطين، وما تخللها من قتل وتنكيل وإذلال وتشريد... الخ، نجد أن اختيار الأشخاص والأماكن والحراك الخاص بكل جزئية في المشهد، كان نتاج لشهادات وتقارير خاصة بالحدث، حرصت الكاتبة على دقتها، بأبعادها: المكانية والزمانية والثقافية والهوياتية.
وكأني بها، في هذا كله، كانت تسعى إلى مواجهة الأكاذيب والتلفيق التي ساقها العدو وهو يُجري عملية المحو التام والكامل للمكان والزمان والإنسان، ليُنشئ مسمى آخر تم تزويره وفق خطة، محكمة، تمت في أروقة زبانية الاستعمار في أوروبا وأمريكا، وقامت بريطانيا "المنتدِبة"، لمدة ثلاثين عامًا، بتنفيذه عبر تسليح "اليهود" وتمكينهم من رقاب الفلسطينيين، أصحاب الأرض الشرعيين، بل إطلاق أيديهم ليفعلوا ما يشاؤون وكيفما يشاؤون.
ولم تنس الكاتبة الإشارة إلى أنه في اللحظة التي كان الأعداء يتسلحون، ويشنون الهجمات المتتالية وفق خطط مدروسة، كان شعبنا الأعزل يواجه ذلك بالقليل من السلاح والكثير من الدعاء والابتهال الذي لا يتكئ على القوة القادرة على حماية الأرض والإنسان من بطش العدو الذي يستخدم القوة المفرطة، بلا هوادة. حتى بدا الأمر وكأننا اتجهنا نحو السماء؛ لندعو على الظالم، واتجهوا هم نحو الأرض يمارسون الظلم والطغيان وينهبوا ويسرقوا كما يحلو لهم. فها هي أم رقيّة تطلب من أم وصال الهاربة من بطش العدو في قيسارية: "ادعي معي, أنت طيبة وبتربى أيتام ودعاكِ مستجاب (ص49). كما أنها تفسر الحلم بالمدينة المنورة بأنه سوف يهزم "أولاد الحرام" وتصبح البلاد كلها كالمدينة المنورة (ص: 57).
لأن النص أمانة بين يدي القارئ، الذي عليه أن يصونه ويرعاه، ويعطيه حقه من القراءة الدقيقة، والفهم الصحيح، بل والإدراك التام لما بين السطور، حتى يصل إلى ما وراء النص، وهو تلك الأجزاء أو الجزئيات التي لم يتمكن الكاتب من تسطيرها وتوثيقها.
لذلك؛ أجد نفسي، بعد هذه القراءة التحليلية-التفكيكية، أمام مجموعة محاور يتكئ عليها النص؛ وتشكل البنية المفاهيمية والفكرية التي تتحالف مع البنيتين المكانية والزمانية لتشكل جسم الرواية بأبعادها الثلاثة، منها:  
أولًا: المرأة الفلسطينية بطلة الأحداث:
ويتجلى ذلك على مدار الرواية؛ حيث أنه قلما تمر لقطة في مشاهد الرواية كافة، إلا وتجد المرأة صاحبة رأي مسموع، حتى لو كان رأيًا خاطئًا وغير مقنع، كما جاء على لسان أم الصادق؛ وهي تعترض على زواج ابنتها (ابنة الطنطورة) من يحيى (ابن قرية دير غزال)، لأسباب واهية وغير مقنعة. أو كما اعترضت "أم الأمين"، وفي بلاد اللجوء، على زواج ابنها من ابنة "صفوريّة". ولعل هذه الصورة تصل ذروتها عندما تضم "أم الصادق" الشال على رأسها عند سماع صوت المذيع؛ لاعتقادها أنه يراها (ص: 34). ففي جميع تلك الحالات كانت آراءهن تناقش بأسلوب الإقناع وليس بالإهمال واللامبالاة والسخرية. حتى أنه يتم نقلها للأجيال الحالية، كشكل من أشكال التحبب والتندر وليس للاستخفاف والاستهزاء (ص: 16).
من الجانب الآخر؛ نجد أن المرأة هي التي قادت دفة المركب عندما شارف على الغرق، وغاب الربان (الرجل)، فكانت أم الصادق (الأمّيّة التي تخاف من كل شئ) امرأة حديدية-صارمة، تحولت إلى ربّانٍ ماهرٍ أبقى القارب فوق الأمواج العاتية؛ بدءًا من تأمين البيت وتعليق المفتاح على صدرها، وحتى سلّمت ابنتها الطفلة "رقيّة" إلى عمها في صيدا بلبنان، مرورًا بالمحافظة على رباطة الجأش والصمود، والاستمرار في أداء واجبها اتجاه ضيوفها الناجين من بلدة قيسارية المجاورة، حتى اطمأنت إلى أنهم استقروا في جنين. كما تجلت الأمومة في أبهى صورها عندما قامت أم الصادق المهجّرة بصرف جلّ المال الذي تملكه على علاج ابنتها الطفلة "رقيّة"، دون أن تلتفت إلى ما قد يلحق بها من أذى عند نفاد المال (ص: 66).
ثم تستمر تلك الأدوار بالنمو والتطور حتى تأخذ المكان الطبيعي والحقيقي للمرأة. ففي حين أن هناك شخصيات ذكورية هشة؛ غادرت النص وغابت عن المشهد، نلاحظ أن الغالبية العظمى من الشخصيات "الصلبة"؛ الماكثة في الرواية حتى النهاية هي من النساء، مثل:
-          زوجة وأمًا؛ كالدور الذي تقوم بها "رقيّة"في تربية أبنائها الأربعة، دون أن يرف لها جفن، ورعاية بيتها بعد استشهاد زوجها.
-          ممرضة شجاعة؛ كالممرضة التي اجتازت حاجز جيش الاحتلال وهي تفتش عن زوجها.
-          مقاتلة؛ كالتي كانت ضمن مجموعة "عبد الرحمن" التي شاغلت المحتلين بما تمتلك من سلاح خفيف.
-          طبيبة؛ كما فعلت "مريم" الإبنة بالتبني، التي لم تثنها ظروفها المأساوية عن التفوق والاغتراب في مصر من أجل دراسة الطب.
-          باحثة؛ وثقت للنكبة، وما قبلها وما بعدها، كالرواية التي نحن بصددها، والتي صاغتها امرأة لم تكن كاتبة يومًا ما.     
ثانيًا: استرجاع التراث الفلسطيني:
لم تكد تبدأ روايتها إلا وأخذت "رضوى عاشور" تتجلى في وصف التراثيات في فلسطين، ببعديها: المادي والمعنوي. فبدأت بالقفّة التي ملأتها من ثمر الصبّار (ص: 8-9)، والحصان الذي يجر العربة التي ركبتها إلى جانب عمها "أبو الأمين"، وعادات النور وطقوسهم في الشعوذة عندما يحلون في مكان ما (ص: 17). ثم تلهب المشاهد المختلفة بالأغاني والأهازيج والأناشيد والأشعار التي تم توظيفها بشكل رائع، من أول الرواية حتى آخرها؛ فشملت ما قبل النكبة من أشعار وأغانٍ وما أضيف إليها بعد النكبة؛ كأحد أشكال التوثيق (الشعري-الغنائي) للأحداث، وما بعد ذلك بكثير، حتى أواسط العقد الأول من القرن الحالي (21) عندما غنى وأنشد بها أبناء شعبنا، في رحلتي القدوم والعودة، لملاقاة الأحبة على الأسلاك التي تفصل بين فلسطين ولبنان.
وإجمالي القول في هذا الجانب، أن الكاتبة لم تهمل أخلاقيات الشعب الفلسطيني، أو عاداته أو تقاليده، أو أمثاله الشعبية. مما جعل الرواية مشبعة بالحركة والحيوية التي تجعل القارئ يعيد القراءة لأكثر من مرة، لأنه يرى في الجزئيات ما يوفر المعرفة في شتى جوانب حياة الشعب الفلسطيني عبر تلك السنين.  
ثالثًا: تستحضر الأحداث التي جرت بما يشكل شهادة على العقود الستة:
تميزت هذه الرواية بأنها مشبعة بالأحداث التي تم سردها، بمنتهى الدقة. حتى أنها بدت وكأنها حالة استحضار للوطن الفلسطيني الذي تآمر عليه القريب والغريب والصديق والعدو، حتى أن "حيفا سقطت في يومين". كما أنها حالة استحضار للشعب الفلسطيني المنكوب في أرضه وهويته ووجوده وحضارته التي فقدها. وسنقدم، فيما يلي، بعضًا من تلك الوثائق والتوثيقات، التي نرى فيها ما هو جديد، أو لم يتردد بما فيه الكفاية في ذاكرة الأجيال السابقة:
1)      الصور الهمجية التي ترسخت في جيل أطفال النكبة، كما تصف "وصال" ابنة قيسارية التي تقول: "اخرجونا من البيوت ودمروها وأرغمونا على الرحيل, فعلوا ذلك في المسلمين والمسيحيين" (ص: 29).
2)      مذبحة الطنطورة التي لم تلق من الإعلام ما لقيته المذابح الأخرى في دير ياسين وكفر قاسم وغيرهما. حيث كان الإعدام الفوري مصير كل من يؤشر عليه الجاسوس المتواري في كيس خيش, يؤشر ثم الاعدام، حتى الجريح يمنعونه من شربة ماء في ذلك الصيف الحار (أيار/ 1948) (ص61). كما أن هناك العديد ممن تم قتلهم بعد تجريدهم من السلاح (ص: 302).
3)      نهب كل ما يوجد مع النساء من حلي ومجوهرات وأموال، حتى أن المجندة نزعت فردتي القرط من أذني الطفلة "رقية" انتزاعاً (ص60).
4)      التهجير القسري للأسر، كحال أسرتي قيسارية والطنطورة اللتين رحلتا إلى الفريديس، فالمثلث، فطولكرم، فالجليل ثم إلى صيدا، ثم تذهب احداهما إلى جنين والأخرى إلى صيدا (ص62). تلك الرحلة المميتة التي مات فيها الكثير من الأطفال من البرد، كما أن آليات المغتصبين لم تكن لترحم أحدًا كما فعلت بسيدة كانت تقطع الشارع بحيث داستها السيارة مرتين (ص: 64).
5)      وهناك شهادة مرعبة، وثقتها الكاتبة، تفيد بأنه في الجليل وصلت شاحنات تحمل مئات الرجال، يبدو أنهم أسرى من اللد والرملة، كان واضحاً أنهم لم يتناولوا شربة ماء لأيام، أنزلوهم عند صنبور واحد من الماء. تدافعوا عليه فأطلقوا عليهم النار. فمات منهم من مات (ص: 304).
6)      كما كان في صرفند عدد من الأسرى يصل إلى 1500 أسير، أجبروهم على العمل في قطف الثمار من أراضيهم التي استولى عليه (ص: 305).
رابعًا: أخلاقيات شعبنا؛ بما له وما عليه:
هناك مجموعة ركائز في الرواية تشير إلى أخلاقيات شعبنا منذ الوطن وحتى الشتات، وهي:
1)      استقبال أسرة الطنطورة لأسرة قيسارية؛ الهاربة من بطش وجبروت اليهود الذي أمعنوا في قتل الناس والتمثيل بهم. هذه العلاقة التي تحولت إلى علاقة أسرية دائمة لا تنفصل عراها؛ حتى أن رقية أسمت ابنها "عبد الرحمن" وفاءً لذلك الطفل الذي قدم من قيسارية مع أسرته هذه، كما أصبح من الطبيعي إحياء مناسباتهما بشكل مشترك، وقد تجلت تلك العلاقة الأخوية في القبلة التي قبلها عبد الرحمن لرقية، والتي أحدثت عندها إرباكًا سرعان ما انتهى.
2)      استقبال أهالي الفريديس للهاربين من القرى المختلفة، فقدموا لهم ما أمكنهم تقديمه على مدى أربعة أسابيع. أما أهل الخليل؛ فقد كانوا، على مدى ستة أشهر، يوفرون أطيب أنواع الطعام وبكميات كافية للمهاجرين (ص: 64).
3)      حالة تبني الطفلة "مريم" التي تبقى وحيدة بعد استشهاد أفراد أسرتها، التي تصبح الإبن الرابع لرقية، والتي تدخل المشهد وتبقى فيه حتى النهاية؛ حيث تتفوق وتدرس الطب في مصر على نفقة شقيقها بالتبني (صادق). وقد غادرنا الواية دون أن تعلم "مريم" أنها متبنّاة، وإنما كانت رقية تخاطبها بصيغة أن جدها من أمها هو أبو الصادق وجدها من أبيها "أبو الأمين".
4)      من جانبٍ آخر؛ لم تخفِ الكاتبة الجانب السلبي في سلوكيات الأفراد والجماعات، فها هي تعرض الكثير من العبارات والمصطلحات التي رددتها (أم الأمين)، بما ينم عن الشخصية التشكيكية والتحيزية لهذه العجوز التي لم تعجبها ابنة صفورية كزوجة لنجلها "عز الدين"؛ باعتبارها قوية وغريبة (ص: 111)، ولا النابلسية (زوجة صادق)؛ لأن النابلسيات "قوايا وناصحات" (ص: 192). ويصل به الأمر لحد اتهام الأطباء بأنهم متحيزين إلى جانب كنتها الصفورية لكي يثبتوا عن "عز الدين" هو المتسبب في عدم الإنجاب (ص: 156)،  كما أن ذمتها "تتسع" لدرجة أنها تشكك في تبني نجلها للطفلة "مريم" مفترضة أنها ابنته غير الشرعية، أو أنها ابنته من امرأة أخرى.
خامسًا: هناك من أبناء الأمة من هم في صف الأعداء:
لم تكن مرارة الهزيمة والانكسار قادمة من جهة البريطانيين وحسب، بل أن هناك ما أشد منها مرارة من أن كلوب باشا كان يقود الجيش الأردني؛ مما يعني عدم إمكانية أن يُسمح لهذا الجيش إيذاء اليهود أكثر من القدر الذي يسمح به هو، بما لا يزعزع خطط إقامة الدولة اليهودية.
كما أن ما جرى في لبنان بحق الشعب الفلسطيني، من إذلال وإهانة وامتهان مارسها المكتب الثاني اللبناني الذي كان يتسلى على شبابنا بالكرابيج (ص: 239)، أوصل حال العلاقة بين اللبناني والفلسطيني إلى مستوى مزرٍ، إذ يقول "عبد الرحمن" زميلك في الصف  ينقلب عليك فجأة لأنك فلسطيني (ص: 77)، لينتي الأمر بأن يقول الأطفال لأمهم (رقية): كرهنا المخيّم وكرهنا فلسطين, وكرهنا أنك أمّنا (ص76-77).
أضف إلى ذلك دور النظام السوري في تأجيج الحالة ضد الفلسطينيين عندما اصطف مع الكتائب البنانية في محاربتهم، وما انتهى إليه الأمر من قتل، بل تقتيل، للفلسطينيين من قبل بعض القوى اللبنانية، التي كانت تدين بولائها لإسرائيل أكثر من ولائها للبنان نفسه، ومن السوريين، بالإضافة إلى اسرائيل نفسها. ويتجلى ذلك في أحداث تل الزعتر والصبرا وشاتيلا، والاجتياحات الإسرائيلية المختلفة التي وصلت اسرائيل خلاله إلى بيروت؛ بهدف ملاحقة الثوار الفلسطينيين، وتدمير إنجازاتهم الثورية- الوطنية والبحثية-التوثيقية على الأرض اللبنانية.
 سادسًا: المفتاح والاسترجاع:
لم تأل الكاتبة جهدًا وهي تسترجع الوطن، على الورق، في هذه الرواية. فها هي تصف جمال فلسطين وبهاءها قبل النكبة؛ ببحرها وأرضها وشجرها وثرواتها وحضارتها. كما أنها لم تتوقف عن ذلك وهي في بلاد الغربة والاغتراب، فها هي تقول: "كل امرأة ولها شجرة: ليمونة أم سمير, برتقالة أم الياس نحلة أم ناهض, توتة أم محمد... الخ". ثم تسرد حكاية كل امرأة على حدة، لتشكل رواية حقيقية لتشريد الشعب الفلسطيني واقتلاعه من أرضه (ص: 147).
ولكي تختصر علينا الحكاية، وترسم لنا خارطة طريق واضحة، وثقت لنا الكاتبة حكاية ثلاثة أجيال مع المفتاح. فقد احتفظت به أمها (أم الصادق)، بعد أن أدارته سبع مرّات في الباب قبل أن تغادر، ثم استلمته رقية عند وفاة والدتها، وفي العام 2005 سلّمته لـ "رقيّة" الحفيدة عندما تمكنت من الالتقاء بها عبر الحد الفاصل بين فلسطين ولبنان. وتؤكد الكاتبة أن جميع نساء المخيم فعلن نفس الفعلة؛ بأن كل واحدة منهن قد علقت المفتاح في عنقها واحتضنته كما تحتضن الأم وليدها. وأن الأجيال ستبقى تتناقل تلك المفاتيح إلى أن تعود الأرض، وتعود الدار، ويعود الباب إلى ذلك المفتاح.
سابعًا: الأجيال لن تنسى:
في شكل آخر من أشكال الاسترجاع يقدم "عبد الرحمن" نجل رقية، الذي يمثل الجيل الثالث، مشروعًا دوليًا لمعاقبة "إسرائيل"، يقوم على ثلاثة عناصر: 1) دارسة القوانين الاوروبية، وعمل قائمة القضايا الممكن رفعها والاتصال بالشهود وبالذين ستقام القضايا بأسمائهم (ص: 353)، ثم يضع تصوره لرفع قضية بإسم (الطنطورة) (ص: 357). حتى أنه تم جمع شهادات ووثائق تدين "إسرائيل" بتدمير ما بناه الفلسطينيون في لبنان (ص: 371).
خلاصة القول
بعد قراءة هذه الرواية وتحليلها وتفكيك ما بين سطورها، وجدتني وكأنني قرأت أكثر، من كتابٍ في آنٍ معاً، متعلقة بالشأن الفلسطيني خلال الفترة الواقعة بين العام 1947 والعام 2005؛ ففيها شرح عن حال فلسطين وأحوالها قبيل النكبة، وفي فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، حيث كان يستقل نفس القطار الإنجليزي والفلسطيني واليهودي يركبون القطار. وهذا لا يعني المساواة بين كل هذه المكونات، إذ أن الإنجليز كانوا يقومون بعمليتين متكاملتين ومترابطتين، وهما: الأولى؛ فهي ملاحقة الفلسطيني، لمجرد أي شبهة وسجنه وتعذيبه، وإذا وصل الأمر لحد استخدام السلاح أو امتلاكه فإنه ينتهي بعقوبة الإعدام التي تنفذ بشكل فوري. والثانية؛ فهي تدريب اليهود وتسليحهم ومنحهم حرية إقامة مؤسسات خاصة بهم، وتوفير السبل الكفيلة بتزايد أعدادهم على أرض فلسطين. ويأتي ذلك كله على طريق محو الوجود الفلسطيني ضمن الجغرافيا التي خططوا لإنشاء الدولة اليهودية التي جاءت بريطانيا إلى فلسطين من أجل تحقيقها. وليس أدل على ذلك مما ورد في هذه الرواية من تأكيدات على قيام بريطانيا بتسليم حيفا لليهود، ثم تبعها سقوط المدن والقرى الأخرى في أيدي اليهود، الواحدة تلو الأخرى، كما ينفرط عقد المسبحة التي انقطع خيطها.
هذا ما حصل لشعبنا، والذي سيبقى مستمرًا بنفس الوتيرة، طالما أن الظروف لم تتغير، وطالما أن موازين القوى الغربية والشرقية منتظمة لصالح إسرائيل، وما يقابله من جانبنا من حالة تشتت الشعب الفلسطيني وتفرقه، وحالة تفكك الأمة وانهيار بناها العسكرية والسياسية. في ظل هذا كله، وإلى أن تختل موازين القوى لصالحنا، فإنه لم يبق أمامنا إلا أن نجعل القضية حية في عقول الأجيال المتعاقبة؛ لكي تبقى المطالبة ويبقى "المطالبون" القادرون على استعادة الحق الذي لن يضيع طالما أن فينا طفل يرضع.
فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 10/01/2015م



[1] هذا ما قالته المرحومة "رضوى عاشور" في ندوة حوارية  حول رواية الطنطورية بمكتبة الشروق/ مصر في تشرين أول/ 2011م.

إرسال تعليق Blogger

 
Top