0

لا شك في أن كل ما يرافق جولات كيري الهادفة إلى (حسم!!) ملف الصراع بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين"، وما يسبقها وما يلحق بها من أحداث تستحق التوقف عندها بالقراءة والتحليل. إذ أنه من السذاجة بمكان فصل تلك الأحداث عن بعضها البعض؛ دون الربط فيما بينها، وما يعنيه ذلك من تشخيص دقيق للواقع وقدرة على قراءة المستقبل واستقراء كل ما يدور تحت الطاولة و/أو خلف الكواليس.
ومن بين تلك الأحداث المصاحبة للمفاوضات الأخيرة الدائرة (رحاها) مع حكومة الاحتلال تأتي ممارسات "عصابة جباية الثمن" التي أخذت (تشتد) وتيرة عملها. فبعد أن كانت أفعالها الشريرة ليلية؛ تتم تحت جنح الظلام بحراسة جيش الاحتلال ورعايته، وتنتهي بكتابة شعارات معادية للفلسطينيين (بخاصة على المساجد والكنائس)، أصبحت الآن "نهارية"؛ تحت الضوء، بلا خوف أو وجل من أحد؛ لا من قبل قوات الاحتلال التي تسيطر على أرض فلسطين وسمائها وبرها وبحرها، ولا من قبل أجهزتنا الأمنية المكبّلة باتفاقيات أوسلو ذات الاتجاه الواحد؛ الذي يضمن حرية تحرك (الإسرائيليين!) و(عربدتهم) دون أي إزعاج، مباشر أو غير مباشر.
ولعل "ذروة" ما قامت به هذه العصابة والعصابات الأخرى من المستوطنين، ما تم صباح 14/1/2014م؛ عندما احتجز المستوطنون، بحماية من جيش الاحتلال، موكب رئيس الوزراء الفلسطيني وتفتيش سيارته من قبل الجنود و(إجباره) على الترجل منها واحتجازها. وما جرى قبله بأسبوع، بالتمام والكمال، في بلدة قُصرة الفلسطينية؛ عندما هبّ مواطنو تلك البلدة، الذين ولدتهم أمهاتهم أحراراً؛ فرفضوا الاستعباد والركوع؛ وهبوا مدافعين عن همجية عصابة "تدفيع الثمن" وبلطجة أفرادها. 
هذه المشاهد تعيدنا إلى المشاهد والممارسات التي سبقت النكبة في العام 1948؛ حيث مورس التنكيل بشعبنا الآمن في بيوته ومساكنه، باستخدام القوة المفرطة، لإشاعة أجواء من الخوف، بل الرعب، الذي أدى إلى هروب مواطنينا؛ للنجاة بأرواحهم. 
لذا؛ فإن الأمر يتطلب التوقف، بالقراءة والتحليل، للبيانات والبينات ذات الصلة بهذه العصابة ولما بين سطورها، لتحقيق مجموعة أهداف، منها: الأول: تعريف القارئ العربي، بخاصة الفلسطيني، بالجذور الحقيقية لهذه العصابة، والثاني: بث رسالة لدولة الاحتلال نشير فيها إلى أنه، ومهما اشتد العداء بين الشعوب والأمم ومهما كانت قوة أحد أطراف معادلة الصراع وجبروته، فإنه لا بد من توفر الحد الأدنى من "أخلاق المتحاربين" والتي ينظر كل طرف إلى الآخر على أنه "إنسان"؛ له حق العيش الكريم-الآمن على أرضه، وفي مسكنه، وحق المحافظة على ممتلكاته. ولا أعتقد أن دولة الاحتلال تجهل أن أمم الأرض قد اتفقت، فيما بينها على لوائح أسمتها "حقوق الإنسان" في السلم وفي الحرب.
أثناء البحث والتمحيص في هذا الموضوع توصلت إلى ورقة من إعداد مجدي طه منشورة على موقع "مركز الدراسات المعاصرة" (www.center-cs.net/full.php?ID=773) خففت عني عناء البحث. إن القراءة المتفحصة والمتمعنة لمحتويات هذه الورقة توصلك إلى أن هذه العصابة تشكل خطراً حقيقياً على الفلسطينيين أينما حلوا وارتحلوا، وفق بيانات وبينات عديدة منها :
1) هي طغمة من المستوطنين، يتجاوز عددهم ثلاثة آلاف، يتسم أعضاؤها بالتشدد الأيديولوجي؛ ظهرت في الضفة الغربية احتجاجاً على تفكيك البؤر الاستيطانية، كتنظيمات سرية لها قيادات مركزية تقودها وتوجه نشاطاتها وعملياتها بدقة. 
2) لذلك؛ وصفها جهاز المخابرات الإسرائيلي (الشاباك) على أنها مجموعات إرهابية. ويشبّهها "زئيف سطيرنهل" بالمجموعات الصغيرة التي ظهرت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ونشطت ضد اليهود.
3) تشكل رأس حربة في زيادة التوسعات الاستيطانية وتهويد الأراضي الفلسطينية، على أرض فلسطين التاريخية،  ونزع الصبغة العربية عنها. لذا؛ فهي تحظى بدعم واسع من المستوطنين، ويشارك فيها ناشطون من الأحزاب المشاركة في حكومة نتنياهو، منها: الوحدة الوطنية، والبيت اليهودي وغيرهما (بالخفاء).
من جانبٍ آخر؛ كتبت "هداس هروش" في موقع "المصدر" (بتاريخ: 16/10/2013م) أن الرئيس السابق للشاباك/ كرمي غيلون تنبأ بأن "عصابة تدفيع الثمن" هي الأساس للاغتيال القادم لرئيس الحكومة، وهو يشير بذلك إلى أن الجهات التي تغذي هذه العصابة هي نفسها التي حرضت على قتل رئيس وزرائهم الأسبق "اسحق رابين". كما قرر المجلس الوزاري السياسي-الأمني المصغَّر الإعلان عن ناشطي "تدفيع الثمن" كـ "جمعية غير مسموح بها"، وأكد وزير الأمن، موشيه يعلون، بداية تموز/ 2013، أنّ ظاهرة تدفيع الثمن "منظمة محظورة".
وتشير المصادر المختلفة إلى أن هذه العصابة تستهدف حتى وحدات الأمن الإسرائيلية والجيش والقادة العسكريين؛ كمهاجمة عشرات منهم، في أواخر العام 2011، للقاعدة العسكرية المسماة بنيامين" فأتلفوها وهاجموا قائدها ولم يُعتقل منهم أي شخص.
إن خصائص "عصابة تدفيع الثمن" وتركيبتها الفكرية، وهيكليتها التنظيمية، ومستوى الداعمين لها وما يتمتعون به من سلطة، لدرجة التغاضي عن أفعالها الشريرة حتى بحق الجيش والأمن تشير، بما لا يدع مجالاً للشك، إلى أن هذه العصابة، من وجهة نظر الحكومة تؤدي رسالة (وطنية!!) اتجاه دولة الاحتلال تجعل صانعي القرار يوفرون لها الغطاء؛ لتنفذ أفعالها، كما تشاء ووفق خططها المحكمة الدقة.
الآن، ولأن التاريخ يعيد نفسه، فلا بد أن نستحضر خطة "دالت" التي وضعتها منظمة الهاجاناه في العام 1947؛ والتي هدفت إلى السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية وطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، وهذا الدور تقوم به "عصابة تدفيع الثمن"، كما نستحضر دور بريطانيا "المنتدَبَة" على فلسطين والتي كانت "تذر الرماد" في عيون الفلسطينيين بتلك القوانين والتعليمات والتعريفات التي تدين سلوكيات الهاجاناه و(تجرمها!!)، ولكنها، في نفس الوقت، تسهل أفعالها وتباركها حتى لو كان الاعتداء على الجيش البريطاني نفسه، وهذا الدور تقوم به الآن حكومة الاحتلال التي لا تطبق قوانين ولوائح وتعليمات "مكافحة الإرهاب" على هذه العصابة التي حظرت الحكومة عملها، بل أنها تنطلق في أفعالها بحماية مباشرة من الجيش.
أخيرا؛ فلنستذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"؛ ولأننا مؤمنون، حق الإيمان، بأننا على أرض آبائنا وأجدادنا؛ فإن سوائب المستوطنين، ومهما استخدموا من أساليب الإرهاب والتخويف، لن يفتوا في عضدنا، وليعلموا أن الزمن لن يعود إلى الوراء، وسنبقى في هذا الوطن، ندافع عنه بالنفس والولد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.   

فلسطين، بيت لحم، العبيدية         15/01/2014م
عــزيـــــز العــصـــــــا/ نُشِرَ في القدس، بتاريخ: 31 كانون ثاني، 2014م، ص17

إرسال تعليق Blogger

 
Top