0

ما أن انتهى العام 2013 إلا وأطل علينا الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بإحصاءات خاصة بأوضاع الفلسطينيين حتى نهاية العام 2013؛ فتبين أن عدد أفراد الشعب الفلسطيني هو 11,8 مليوناً، موزعون، نسبياً، كما يلي: 38% منهم يعيشون في الضفة وغزة (44,2% منهم لاجئين منذ العام 1948)، 44% لاجئون في الدول العربية (سوريا، لبنان، الأردن، مصر والعراق) و12% هم فلسطينيو-48، وأما الـ 6% المتبقية فإنهم يتواجدون في الدول الأجنبية. بذلك؛ نلاحظ أن شعبنا مشتت وممزق شر ممزق؛ بين التشتت والهجرة داخل الوطن وخارجه.
على مدى العقود السبعة؛ تعرض أبناء شعبنا من اللاجئين إلى الدول العربية، إلى شتى صنوف العذاب والتعذيب؛ النفسي والجسدي والمعنوي، وقد ارتبط ذلك بتقلبات أنظمة الحكم التي كان لها انعكاس، مباشر، على أوضاعهم وامتيازاتهم؛ فقد كانت (الممنوعات والمسموحات) تتغير وتتبدل وفق نظام الحكم والأيديولوجيا التي يحملها، ومكانة فلسطين (الأرض والشعب والقضية) في تلك الأيديولوجيا. لذلك؛ فإن الباحث في شئون اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية سوف يصاب بالذهول؛ من كثرة التناقضات التي عاشها شعبنا في تلك الدول منذ العام 1948 حتى تاريخه. 
ونظراً لأن "اسرائيل" معنية، بشكل رئيسي، بطمس قضايا اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة إلى ديارهم، فإنها لم تأل جهداً في التسبب في إشعال المعارك ضدهم، وإن ما جرى لشعبنا في مخيمات تل الزعتر، وصبرا وشاتيلا لخير دليل على ما نقول.   
الآن؛ ولأننا نعيش مأساة حقيقية في شعبنا الرابض على الأراضي السورية؛ ينتظر العودة إلى الديار التي هُجِّرَ منها، تحت ضغط القوة المفرطة، ولأن قاطني مخيم اليرموك، المحاذي للعاصمة السورية، يقع الآن بين "مطرقة" النظام و"سنديان" المسلحين المختبئين فيه، فإنه من الأهمية بمكان التعرف على واقع هذا المخيم وما يجري فيه من مآسٍ.
يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، بحسب إحصاءات الأنروا بتاريخ 1/1/2012، 510,444 لاجئاً ؛ يتوزعون على (12) مخيماً، هي : خان الشيخ، حمص، النيرب، حماة، خان دنون، درعا-1، درعا الطوارئ، جرمانا، الست زينب، سبينة، اليرموك، عين التل (حندرات).
أما مخيم اليرموك، فهو أكبر المخيمات الفلسطينية في الداخل والخارج على حد سواء؛ إذ تتجاوز مساحته الـ (2111) دونماً، يقطن فيه أكثر من (200) ألف فلسطيني، يقع  على بعد 8-11 كم إلى الجنوب من مدينة دمشق، وهو ملاصق لعدة أحياء شعبية سورية. وقد مر هذا المخيم، خلال فترة الصراع القائم في سوريا منذ 3 سنوات، ووفق تقرير موقع (السياسي) الأردني (http://www.alsiasi.com)  بالمراحل التالية: 
1) منذ الشهر السابع من العام المنصرم (2013) عاني هذا المخيم جميع أشكال الحرب؛ بدءاً بالقنص ونيران الرشاشات وصولا للقصف الصاروخي والطيران الحربي، الأمر الذي أدى إلى تهجير غالبية ابنائه الفلسطينيين والسوريين ولجوئهم إلى دول أخرى، وتدمير عدد كبير من المنازل فيه. ثم أطبقت قوات النظام حصارها عليه،، بشكل تدريجي، بإغلاق مداخل حيي التضامن والحجر الاسود وتركت ممرا واحد للمخيم من الجهة الشمالية له حيث بداية المخيم.
2) بتاريخ 16-12-2013 تعرض المخيم للقصف بطيران الميغ الذي استهدف ثلاثة مراكز لإيواء المهجرين مما ادى لسقوط عشرات الشهداء واندلعت على اثر ذلك اشتباكات كان المخيم ضحيتها، مما أدى إلى دخول المسلحين إلى المخيم والسيطرة عليه، ليرد النظام على ذلك بفرض حصار خانق عليه. 
3) مع مرور الوقت بدأ الحصار يشتد بشكل اكبر؛ إلى أن انتهى بإغلاق المخيم بشكل كلي وكامل, ومنع حركة الدخول والخروج منه واليه أمام الأهالي وأي مواد غذائية أو طبية أو وقود وغيرها.
4) مع مرور الأيام واشتداد الحصار وقيام بعض الكتائب التابعة للمعارضة بسرقة والاستيلاء على مستودعات إغاثية، وعدم قيامها بمساعدة الأهالي إغاثياً على الصمود, ومع منع النظام إدخال أي مواد غذائية او طبية من الخارج سوى القليل من حليب الاطفال ولقاحات شلل الأطفال التي أدخلت مرة واحد في فترة سابقة؛ نفدت كميات القمح والطحين, كما نفدت نفاد باقي أنواع الحبوب، ولم يعد متوفر المستلزمات الطبية والأطباء المختصين بالشكل الكافي, وحليب الأطفال، يضاف إلى كل هذا الغلاء الفاحش لأسعار المواد الغذائية؛ بسبب احتكار التجار ومحدودية الكميات، مما حرم الكثير من الأهالي من التزود باحتياجاتهم بسبب عوامل الفقر وعدم استطاعة من يملك المال خارج المخيم أن يدخل ماله بسبب الحصار .
5) بالنتيجة الحتمية للحصار؛ أدت تلك الأسباب، مجتمعة، إلى إصابة الحالة الإنسانية والصحية للمدنيين بالتدهور؛  مما أدى لاستشهاد العشرات، حتى اللحظة، لأسباب مختلفة تتعلق جميعها بالحصار، منها:
نقص التغذية بسبب عدم توفر المواد الغذائية بالشكل المطلوب.
نقص الرعاية والمستلزمات الطبية.
أسباب أخرى؛ كالموت بردا أو الاختناق لعدم وجود المواد المناسبة للتدفئة، ، والجرحى والأطفال الذين استشهدوا لعدم توفر الرعاية الطبية. أضف إلى ذلك حالة الطفلة التي قضت بسبب عدم استطاعة أمها دخول المخيم منذ إغلاقه؛ مما حرم الطفلة من الرضاعة الطبيعية. وغير ذلك من الحالات التتالية التي يندى لها الجبين.
إن المتابع لما جرى في مخيم اليرموك الفلسطيني في سوريا، وبالرجوع إلى القوانين واللوائح والمواد ذات الصلة بالمدنيين في الحروب، يجد أن أبناء هذا المخيم قد تعرضوا إلى "الإبادة الجماعية"؛ وذلك لأنه قد إخضاعهم، عمداً، لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكهم، جزئياً وكلياً.
إننا لا ننظر إلى ما يجري في هذا المخيم من (إبادة) كمجرد حلقةٍ من حلقات تلك الحرب المجنونة بين نظامٍ بائس يستقدم الصفويين ليستقوي على شعبه، وبين "مسلحين" ينفذون أجندات ليس لسوريا وللأمة فيها أي مصلحة، وإنما ننظر إلى الحالة على أنها مؤامرة متعددة الأبعاد، مكتملة الحلقات، التقت فيها مصالح "المتحاربين" على الأرض السورية، للقضاء على هذا المخيم والخلاص منه. فالنظام لم يعد يقبل بوجود هذا المخيم؛ جغرافياً وديموغرافياً على الخاصرة الجنوبية لعاصمته، والمسلحون لن يسمحوا، بملء إرادتهم، بعودة المخيم إلى ما كان عليه؛ لأنهم يرون في الجغرافيا التي يحتلها نقطة ضعف تشكل مقتلاً للنظام.
من هنا؛ فإنه على القيادة الفلسطينية التفكير الجاد والعملي، بالتعاون مع المنظمات الدولية ذات الصلة، البحث عن حلٍ لمعضلة أهلنا من أبناء مخيم اليرموك لإسكانهم بما يحفظ كرامتهم الوطنية والإنسانية، وعدم تركهم في مهب رياح الحقد والجهل والجهالة التي تحرك أطراف تلك الحرب التي تديرها القوى العظمى وإيران على أراضي سوريا العروبة. 
نقول ذلك وشعبنا ينتفض غضباً، على المستويات العمرية والاجتماعية كافة، فالكل يتوشح بالسواد حداداً على أبنائنا الذين يموتون جوعاً وعطشاً وبرداً نتيجة حصار حاقد جبان، يخضع له المخيم من داخله وخارجه؛ بأن يُفرض على قاطنيه الإذلال والإهانة والأتوات (بفرض الأسعار الجنونية على المواد الغذائية الأساسية حتى أصبح سعر كيلو الأرز مائة دولار) والمعاناة حتى الموت الزؤام دون أن يرف للمحاصِرين جفن أمام هذا كله.  

فلسطين، بيت لحم، العبيدية         13/01/2014م
عــزيـــــز العــصـــــــا/نُشِرَ في القدس، بتاريخ: 15/1/2014م، ص19

إرسال تعليق Blogger

 
Top